الاثنين، 19 ديسمبر، 2011

قصيدة : سنبقى معا يا رفيقة

قصيدة : سنبقى معا يا رفيقة





في بحر الألوان

أزرقنا صار أحمر
وأمواج الربيع 
تقلب عن وردة ، عن شهيدة في الميدان

قبل المغيب
نلقي آخر نظرة
أتصل بك في ساحة الحرية
فلا تجيبين

لا تجزعي سننشد معا
سنمارس الحب لأجل الشهيد
وننهض باكرا بحثا عن عربة خضار
سنلتقي العمال والفلاحين والطلبة

إلى الميدان سنمضي
إلى آخر الرواق 
حيث تنتظرنا جحافل المرحبين
لنعزف لحن الأبد ، عاش الوطن

ستبتسمين ملء الرصاص
سنقهقه على صوت الغاز
لنختلس قبلا شقية أخيرة يا رفيقة
قبل السفر

الميدان غاص
ضوضاء ، صجيج ، عساكر
أأنت معي يا رفيقة ؟
سنبقى معا يا رفيقة

قد نسبق معاد إليها
أو قد نلحق به إلى الجنة
يا صديقة فلنذهب إليهم
فلنلحق بركب الرفاق

في الحانة يوم أمس شربنا نخب الهزيمة والنصر
قد تكون الأخيرة
وعرجنا نحرض بائع الخضار
ثم لعننا الصحيفة النيوليبرالية

كتبنا المقال الأخير
دوناه على الورق بالحبر كما الأيام الخوالي
نفضنا سجائرنا وأرسلناه
ثم ذهبنا للقاء في العتمة

سنبقى معا يا رفيقة
سنفتش عن الربيع بحثا عن قنديل
أين النور ؟
سنبحث عنه معا في الميدان

سنغني كما كان يفعل
سنمارس الحقد 
سنحقد ، ثم نحقد ، ثم نحقد
حتى تزهر زهرة الحرية

حتى نغتسل بدماء النعيم
ونشرب منها شرابا يسكر من النشوة
ثم نلعب الغميضة  نحن و الأرانب
بعد أن نفرغ من الثعالب

سترسمين رسمك المعتاد
وأفشل في كتابة قصيدة كما دائما
سنلتقي ومعاد لنحقد
لنمارس علاقتنا الثلاثية الشاذة

سنسبح بحمد الألم
ونركع للصبر
ونمجد الجلد والسياط
فغذا سنعربد على مشهد الشروق

سيحضننا الوطن ولن يفلتنا
زنازيننا متباعدة 
لكن ما عاد الأمر مهما
فقد بتنا أقرب إلى السماء

سنلتقي ثلاثتنا
بأحكام الفيزياء والرياضيات وكل العلوم
سنفزع معا وسنطير معا
سنبقى معا يا رفيقة

يارفيقة ارفعي رايتنا جيدا
وقولي شعارنا
وغني نشيد معاد الأول والأخير
ولا تنسي أي حرف

ألم نقسم بثدي الأمل
ألم نتعاهد أمام الليل
أن الصباح سيأتي ولو بعد حين
سيأتي ليبقى ولن يذهب ، لا لن يذهب

ليس كفتاة ليل تغادر مهزومة بعد علاقة
ليس كباحث عن اللذة يغتسل بعد الشهوة
ليس كالوهم بعد الحلم
سيأتي الصباح يا رفاق

سنحفر القبور الآن
سنضع أسماءنا 
سنعيش هناك 
لا يهم الآن أو لاحقا

سنرفع شارة النصر
ونحدق نظرات كلها شزر
حاقدون ، غاضبون ، حانقون 
ففي القلب الميدان

لسنا الوحيدين في الساحة يا رفيقة
أخبرتك ستكون لنا حتما رفقة
قناص وسيم على السطح
ودبابة يضحك مدفعها 

لسنا وحدنا
الشيطان المؤمن يباركنا
فلندخل ، فلندخل
إلى الميدان

لن نخاف من الميدان
إنها أرض جدك ووالدي 
سنواسي الألغام
ونشد من أزر المهاجمين

هيا بنا يا رفيقة
للقاء دون أغلال
سنلتقيه ، سنلتقيه 
 معا يا رفيقة 


بقلم : عماد استيتو

21-12-2011

الخميس، 15 ديسمبر، 2011

لسنا ركاما بعد


لسنا ركاما بعد



" في البداية يتجاهلونك ثم يسخرون منك ثم يحاربونك ثم تنتصر فيأتون صاغرين " خرجت هاته الكلمات العظيمة ذات يوم من فم الرائع غاندي ، لست أدري لماذا تحضرني في  هاته الأيام السعيدة التي بات فيها كثير ممن يصفون أنفسهم بالعقلاء  بقدرة قادر يوزع صكوك الوطنية والولاء للوطن لمن تشتهيه نفسه العفيفة فيفتي بخروج هذا عن الطاعة وذاك عن طريق الرجحان ، ينعت هذا بالمراهق وتلك ب " اللي ما عندها شغول " ويمضي في وصفه المنطقي جدا ليلصق تهمة " الثورية البائدة " و " لعب الدراري " بمن يراهم تجاوزوا الحدود ويستحقون التأديب .
 
ثمة في هذا الوطن على ما يبدوا من يعاني من عقدة اسمها عقدة الحجر على أفكار الآخرين ، ثمة من يريد للرأي الأوحد أن يسود ويحكم ، ثمة من هو مصاب بأزمة الافتقار إلى الفعل لذلك فهو يلجأ لممارسة رد فعل يرضي غروره العليل ويحاول من خلالها إقناع نفسه أنه على صواب ، تفتقت عبقرية كاتب افتتاحية إحدى الجرائد الوطنية في عدد الأربعاء 14 دجنبر 2011 لينطلق في ممارسة الدفاع عن ما وصفه " البراهش " بالشيطان ليبدأ في سوق خطاب غزل جميل عن الموروكو مول وفتوحاته وبطولاته التي يتغنى بها الجيران قبل أهل الدار ، قال الملاك ردا على أبالسة العهد الجديد  إن الذين يزورون مركب موروكو مول بالآلاف أكثر مما تجمعه مسيرات أولئك الشياطين الذين يخرجون نهاية كل أسبوع لينطقوا شعارات غامضة وغير مفهومة .
 
صاحبنا يرى أن مشروع السيدة أخنوش مشروع مفيد وهذا حقه الشخصي ورأيه الذي يلزمه وحده ولا يملك أحد أن يصادره لكنه يذهب أبعد من ذلك ليمارس طهرانيته ويشرع في تقديم الدروس للشباب المتهور ولأولئك المغرر بهم " لنقلها صراحة هؤلاء الفتيان زادو فيه لأنهم أصبحوا يخلطون أي شيء بأي شيء ليخرجوا علينا بخلطات خيميائية شعبوية تسر الناظرين من العدميين إنهم فتية تعلموا في المدارس لكنهم يصمون آذانهم عن الحجج العقلية ويستبدلونها بدغدغة عواطف البؤساء الذين بدأت تنكشف أمامهم وجوه شباب يحتقرون ذكاءهم ويريدون أن يمتطوا ظهورهم للوصول إلى الزعامة الدونكيشوطية في زمن غير الزمن " يقول السيد المحترم ، ولست أعرف أي زمن يقصد أن ليس كالزمن الماضي ،هل هو الزمن الذي يشتغل فيه البؤساء الذين حن لحالهم مرهف الإحساس طيلة اليوم دون أن يمكنهم ما يكسبونه من دراهم من ارتشاف ثمن كوب قهوة واحد في ذلك الفتح المبين الذي يقول فيه شعرا ،هل هو الزمن الذي يقسم فيه العدل على أن لا يكون حكما ؟ ولست أعلم عن أية حجج عقلية يتحدث الرجل ، بؤساء الوطن يبحثون عن كسرة خبز يا سيدي لا عن الترف ، كنت لتبدو أكثر رزانة لو تحدثت عن الخمسة آلاف منصب شغل التي وفرها المركب التجاري للعاطلين ، كان في الإمكان أن نرفع لك القبعة على دفاعك عن حقوق الكادحين والمحتاجين في زمن قل فيه الشرفاء طبعا ...أسأل أيضا عن تلك الوجوه التي تحتقر ذكاء البؤساء ؟  أليست هي تلك الوجوه التي تبيع له الوهم بين صفحات جريدة يملكها ليبرالي يعيش في برجه العاجي ؟ أليست هي تلك الوجوه التي تدعوه للافتخار بمشروع  يعرف أنه لن يستفيد منه ؟ أليست هي الوجوه ذاتها التي تحثه أن لا يكون عدميا لأن غدا سيكون أفضل ؟ أليست هي الوجوه التي تهرع للتدبيج كلما تحدث فاه بما لا يعجب وبما قد يجد طريقا إلى قلب البسطاء ؟ من يحتقر ذكاء البسطاء حقيقة ؟ ذلك الذي يقول رأيه بصراحة دون ماكياج أم ذاك الذي يمارس هواية الوقوف بجانب التيار ؟ لم أعد أعرف ، ربما أخطأنا الزمن وعلينا أن نبحث عن آلة الزمن علها ترجعنا للوراء حتى نتخلص من سخافاتنا وهلوساتنا عملا بنصيحة صديقنا ، ربما .
 
قد نكون محاميين فاشلين أيها القاضي الناجح جدا لكن قضيتنا عادلة ، على الأقل لدينا قضية نعتقد بصحتها ونؤمن بذلك ، يلوم تجرؤنا أو ربما نقدنا لما أصبح مقدسا دون علمنا ، ثمة خطوط حمراء .. هذا ما يحاول أن يلوكه صديقنا " .. لن تواجهوا إلا شعبا يقول لكم سيرو تلعبو على قدكم " ، من نحن يا صاح ؟ نسيت أيضا أن أعلمك أننا لم نعد نعرف كيف نلعب ، لقد أضعنا طريق اللعب منذ مدة ، لا نلعب بالملايين ولا تقدم لنا الامتيازات ولا نعفى من الضرائب ولا تقدم لنا الأراضي مجانا ولا يوما كان طريقنا سالكا ، .. آه نسيت علينا أن نحول حربنا إلى المفسدين الذين نراهم رأي العين ، أعذرنا فنظاراتنا ليست كبيرة بذلك القدر سنبحث عن أخرى بميزات أفضل في محجنا بعد أن نتوب من الكفر ، لكن مرة أخرى ستسألنا سؤال كل مرة .. من أنتم ؟ سنترك الجواب لزمن غير الزمن .
 
معك حق ، نحن فتية تعلمنا في المدارس ، في مدارس مكتظة حشرنا فيها كعلب السردين ، في مدارس درسنا فيها كل شيء دون أن نعرف شيئا ، في مدارس علمتنا السمع والطاعة ولم تعودنا على نقض المسلمات والقدر ، معك حق طبعا .. ، لقد أخطأنا الهدف فعلا ونسينا أن الفسا د يظهر ليس فقط في البر والبحر بل أيضا في تلك الصفحات البيضاء العذراء التي تغتصبها أقلام رصاص ، نعم ما نقوله لا يناسب مستوياتنا الدراسية ، كان علينا أن نكون أكثر وعيا ونضجا ، لا بأس سنحاول مرة أخرى إن كان رصيدنا عندكم يسمح .
 
في وطننا ثمة ناس تعيش بشكل جيد جدا وثمة ناس من الجيد فقط أنها تعيش ، إنه كلام فقط نقوله نحن مراهقون حالمون يصارعون مراوح هوائية أو عدميون فاقدون للإيمان  ..يقولون ، ربما يبيعون جلدنا الآن قبل سلخه بثمن يرضي الزمن الذي لم يعد كالزمن لكننا لسنا ركاما بعد  سيدي القاضي، لازلنا نملك صوتا ولو كان مبحوحا .. لسنا أمواتا بعد ثمة فينا حياة تدب ، ربما نكون متهمين الآن بين القضبان في محكمة تنصب لنا المشانق ، هل لنا الحق أن نطلب منك أن تكون منصفا سيدي القاضي ؟  فهذا العالم كما يقول كنفاني يسحق العدل بحقارة كل يوم ...  .

بقلم : عماد استيتو 

الاثنين، 12 ديسمبر، 2011

الذكرى 34 لرحيل أيقونة المناضلات المغربيات سعيدة المنبهي


الذكرى 34 لرحيل أيقونة المناضلات المغربيات سعيدة المنبهي



كتبت من السجن 'إذا أهداني السجانون للموت.. تذكروني بفرح'
تخلد الحركة الحقوقية المغربية يوم الأحد الحادي عشر من ديسمبر الذكرى الرابعة والثلاثين لاستشهاد المناضلة اليسارية سعيدة المنبهي في السجن بعد إضراب عن الطعام استمر لأزيد من أربع وثلاثين يوما، لا يزال اسم سعيدة المنبهي واحدا من الأسماء التي ألهمت أجيالا من المناضلات والمناضلين، لا تزال أيقونة لمرحلة كفاح وقف في وجه الشمولية والاستبداد بكافة عناوينه وبجميع تشكلاته وتمظهراته، كانت ولا تزال رمزا للحركة الطلابية المغربية وما قدمته من شهداء في سبيل الدفاع عن حقوق المستضعفين.
ولدت سعيدة المنبهي في حي شعبي من أحياء مدينة مراكش في شهر سبتمبر من سنة 1952، بعد حصولها على الباكالوريا التحقت بشعبة الأدب الإنجليزي بكلية الآداب بالرباط، وناضلت في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (أوطم) و تزامنت هذه الفترة (1972-1973) مع الحظر التعسفي للمنظمة الطلابية من طرف الدولة المغربية.
التحقت بعد ذلك بالمركز التربوي الجهوي و تخرجت أستاذة بالسلك الأول بعد سنتين من التكوين، ودرست اللغة الإنجليزية بإحدى المؤسسات بمدينة الرباط حيث ناضلت في صفوف الإتحاد المغربي للشغل ثم انضمت لمنظمة "إلى الأمام" الثورية .
اختطفت سعيدة المنبهي في 16 يناير 1976 بمعية ثلاث مناضلات أخريات بعدما داهم زوار الليل بيتها كبلوا يديها و وضعوا عصابة على عينيها، وقضت 3 أشهر بالمركز السري درب مولاي الشريف الشهير باحتضان أخطر جرائم التعذيب في عهد الملك المغربي الراحل الحسن الثاني، حيث كانت تتعرض لأبشع أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، ثم نقلت في شهر مارس إلى السجن المدني بالدار البيضاء ، ليحكم عليها بخمس سنوات سجنا سجنا نافذة بتهم عديدة من ضمنها المس بأمن الدولة، بالإضافة لسنتين "لإهانة القضاء" وفرض عليها مع رفيقتيها رفيقتيها فاطمة عكاشة وربيعة لفتوح العزلة بالسجن المدني بالدار البيضاء.
خاضت سعيدة المنبهي بمعية عدد من المعتقلين والمعتقلات مجموعة من الإضرابات عن الطعام توجت بالإضراب اللامحدود عن الطعام وذلك لسن قانون المعتقل السياسي وفك العزلة عن الرفيقات وعن المناضل إبراهيم السرفاتي، وهو الإضراب الذي دام 34 يوما نقلت بعدها إلى المستشفى، ومنع عنها تناول الماء والسكر، لتفارق وبسبب الإهمال الحياة يوم 11 ديسمبر 1977 بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء وهي في سن 25 سنة لتخط بدمائها آخر قصائد الوفاء "سأموت مناضلة".
لم يكن السجن ليحد من عزيمة سعيدة المفعمة بالثورية، قاومت برودة الأرض التي تلتحفها في زنزانتها وعوضته بدفيء ما كانت تكتبه من شعر، كانت تؤمن أن تحرر المرأة لن يتأتى إلا بانخراطها في النضال التحرري العام من طوق الديكتاتورية والاستبداد والاضطهاد. كانت على اتصال بالسجينات في السجن حتى المعتقلات منهم ضمن قضايا الحق العام للتعرف على أوضاع اعتقالهن، اقتربت ممن احترفن الدعارة وأنجزت تحقيقا ودراسة عن الأسباب الحقيقية الاجتماعية والمادية التي دفعتهن لذلك بل وكتبت من أجلهن قصيدة "فتيات اللذة"، واعتبرتهن نساء مضطهدات من محيطهن ومن قبل الرجال المستغلين لأجسادهن من قبل النظام السياسي الذي ألقى بالمجتمع في أحضان البؤس والفقر وبالتالي من الطبيعي أن تكون هناك دعارة، مادامت هناك أزمة على جميع المستويات .
لا زالت كلماتها حاضرة في وجدان كل حر، ولا زالت رسائلها إلى والدتها وأفراد عائلتها تتردد على ألسنة من عرف سعيدة المنبهي عن قرب. كتبت لوالديها من جحيم الاحتجاز "أبواي الأعزاء" في الوقت الذي سأقضيه بعيدة عنكما أرجوكما ألا تتألما من اجلي، إن حياتي كما قلت لكما في رسالتي السابقة تستمر وتستمر، لاشيء يخيفني .. إن شعوري نحوكم يزداد تأججا، إلا أنني لاحظت لدى أمي لحبيبة في الزيارة شيئا من القلق.. أبواي الأعزاء " في الوقت الذي سأقضيه بعيدة عنكما أرجوكما ألا تتألما من اجلي، إن حياتي كما قلت لكما في رسالتي السابقة تستمر وتستمر ، لاشيء يخيفني .. إن شعوري نحوكم يزداد تأججا ، إلا أنني لاحظت لدى أمي لحبيبة في الزيارة شيئا من القلق وأريد من جديد أن أتوجه إليها لكي تعيد ثقتها بي، وبالمستقبل المشرق، أمي يجب أن تثقي أن وجودي في السجن لايعني بالضرورة حرماني من الحياة، إن حياتي لها عدة معان، إن السجن مدرسة وتكملة للتربية، لهذا أريد منك وكما عهدناك دائما أن تكوني شجاعة، قادرة على مواجهة كل متاعب الحياة".
لا يزال الجميع يستحضر أدبها الثوري وكلماته ذات الوقع الذي يؤجج المشاعر:" تذكروني بفرح فأنا وان كان جسدي بين القضبان الموحشة فان روحي العاتية مخترقة لأسوار السجن العالية وبواباته الموصدة وأصفاده وسياط الجلادين الذين أهدوني إلى الموت. أما جراحي فباسمة، محلقة بحرية، بحب متناه، تضحية فريدة، وبذل مستميت" تقول سعيدة التي اغتيل فيها الأمل من أجل إشراقة وطن.
تقول الباحثة هند عروب في قراءة للشعر الثوري للسجينة الراحلة "إن للحب حضور لافت على مدار القصائد والرسائل، فبه قاومت وتماسكت إلى أن رحلت. فحبها لعائلتها فردا فردا، كان متفجرا في الرسائل وتفاصيل أحاديث هذه الرسائل"، ثم تضيف "لا ننكر أن دور العائلة جلي في مد جسور الرسالة، الشيء الوحيد الذي يصبر المعتقلين ويشد أزرهم. كانت سعيدة تتحدث مع أخواتها عن كيفية تربية الأولاد ومعاملتهم، عن ذكرياتها مع إخوتها ووالديها، عن أحوالها داخل السجن، حنينها واشتياقها لتقبيلهم. والجميل في رسائلها أنها هي من كانت تطمئنهم عليها ".
إعداد : عماد استيتو 
---



الأربعاء، 7 ديسمبر، 2011

في إميضر ... بؤساء منسيون


في إميضر ... بؤساء منسيون 


في وقت كانت فيه جنفير لوبيز تفتتح الموروكو مول الباذخ في الدار البيضاء ويتهافت الجميع لأخذ صورة للذكرى مع شاروخان في مهرجان مراكش السينمائي كان سكان قرية منسية في أقاصي الجنوب المغربي يواصلون اعتصامهم للشهر الخامس على التوالي مطالبين بإنصافهم ورفع الحيف عنهم .
على بعد 200 كيلومتر عن شمال ورزازات غير بعيد عن تنغير تقع قرية مغربية ربما يسمع عنها معظم المغاربة للمرة الأولى، على الأقل في أكادير الغير بعيدة عنها ثمة كثيرون ممن سألناهم لا يعرفون بوجودها ، "إميضر البعيدة عن مرأى العالم وعن مسمع الجميع " هكذا حدثنا أحد أبناء المنطقة بغصة وهو ينعي جفاء الوطن ولا مبالاة دولتهم بهم وبمعاناتهم المستمرة منذ ما يزيد عن أربعة عقود.
ثورة لأجل الماء
منذ أول أيام شهر غشت الماضي قرر سكان إميضر أن السكوت لم يعد ممكنا بعد اليوم وأنه ما من خيار أمامهم إلا التصعيد لإسماع صوتهم بعد أن بحت حناجرهم ليقرروا خوض اعتصام مفتوح تشارك فيه كل ساكنة الجماعة إلى أن تتم الاستجابة لكافة مطالبهم ، حينما تسألهم يجيبون بصوت واحد " نريد الماء إنه بترولنا " .. كل ما يريدونه هو الماء الذي ينبع من آبارهم وحياة كريمة يحيونها في إميضر التي تمثل شاهدا على مغرب غير نافع.
يشتكي الإميضيريون من استمرار استغلال شركة معادن إميضر التابعة للهولدينغ الملكي أونا لمياه بئر بشكل تعسفي منذ سنة 1986 ودون أي وثيقة أو صبغة قانونية بحسب رواية المعتصمين الذين يتذكر الطاعنون في السن منهم كيف تم حفر البئر ضدا على رغبتهم وقمع الاحتجاجات التي خرجت لرفض هذا القرار في ذاك الزمن الغابر ، فضلا عن ذلك بدأت الشركة أشغالا توسعية في الأراضي السلالية التي اكترتها من الجماعة .
"إميضر عطشاء الناس هنا لم يجدوا ماء ليشربوه صنابير المياه تشتغل لساعة من الزمن ثم تنقطع المياه إننا متضررون من استعمالهم لهذا البئر" يقول موحا أكراولي الناشط وأحد المعتصمين المرابضين في جبل ألبان المقر الرئيسي لاعتصام الإميضيريين المتواجد على مقربة من الخزان المزود بالماء، في منطقة تعيش على الفلاحة إنها الكارثة فعلا " حقولنا جافة و ثرواتنا تستنزف و صراخنا لا يجد طريقا إلى أسماع من يهمه الأمر" يستمر موحا في الحديث بحرقة.
في الثامن من شهر نوفمبر الماضي وفي ثاني أيام عيد الأضحى قرر أهل إميضر أن يأخذوا حقهم بأيديهم هاته المرة ويحاصروا البئر فقد بلغ السيل الزبى لكن عزيمة إميضر اصطدمت بتطويق البئر من طرف القوات العمومية التي حضرت بكل ألوانها لثني مسيرة الإميضريين من الاقتراب من البئر، في هذه الأثناء وفي ذاك اليوم الآخر المشهود من تاريخ إميضر حلقت مروحية على علو منخفض من المحتجين في محاولة لإرهابهم وتفريق شكلهم الاحتجاجي " أعتقد أن الجميع شاهد الفيديو إنه موجود على الانترنيت فضلا عن ذلك استعمل معنا العامل والمسؤول الجهوي للدرك الملكي لغة التهديد بالحرق والذبح " يحكي معتصم آخر.
رغبة منهم في عدم الدخول في صدام مع القوات العمومية انسحب المحتجون في انتظار فتح حوار مزعوم اتضح بالملموس أنه ليس سوى وعد زائف ينضم لمحصلة الوعود الكاذبة الأخرى، إنه حوار تحت التهديد يقول موحا أكراولي "... مناضلونا الذين يذهبون للتحاور معهم يتم تدوين أسمائهم ليتم التضييق عليهم وتخويفهم فيما بعد ورفع شكايات مذيلة باتهامات ضدهم "، السلطة العامة متواطئة مع الشركة... سكان إميضر مقتنعون جميعا بذلك فما تقوم بها السلطات المحلية هو المماطلة فقط بحسبهم وإذا عرف السبب بطل العجب ووحده المثل المغربي الشائع "اللي عندو خالتو فالمعروف... " خير معبر عن واقع الحال .
يتذكر الإميضريون كيف اعتقل بعض شباب المنطقة ونقلوا لمراكز احتجاز في المنجم وليس إلى مراكز تابعة للدرك وحينما ثارت ثائرة السكان للمطالبة بإطلاق سراحهم أتوا بهم في سيارة تابعة للشركة وليس للقوات العمومية، في هذه الأثناء يحضر اسم مصطفى أوشطوبان بقوة واحد من رموز الحركة الاحتجاجية في إميضر الذي حكمت عليه المحكمة قبل أيام فقط بالسجن أربع سنوات بتهمة التحريض على العصيان و السرقة هو حكم يعتبره الإميضيريون حكما كان جاهزا ودالا على العدالة الموجهة، يقول شباب المنطقة إن الأمر مؤامرة مفضوحة حيكت ضده بتنسيق بين شركة معادن إميضر والدرك الملكي ، كان المعتقل يشتغل في شركة مناولة يشتغل بموجبها مع شركة معادن إميضر ويقول رفاقه إنه يدفع ثمن وقوفه إلى جانب نضالات الساكنة، رواية الإميضيريين تقول إنه جرى تحرير محضر مزور ضده ووقعه تحت تأثير التخدير في مخفر الدرك الملكي بتنغير.
يصرون على أن مطالبهم ليست مطالبا سياسية لكن لا يمكنهم أن يمنعوا أنفسهم في تحميل السلطة المسؤولية الكاملة لأنينهم الصامت " ليست لدينا أية مطالب سياسية مطالبنا مطالب اجتماعية واقتصادية بحتة لدينا مطالب واضحة ومشروعة والسلطة تعترف بهذا لكنهم رغم ذلك يستمرون في التواطىء مع الشركة " ، رغم أنهم تهربوا عن الإجابة عن أسئلتنا فإن مصادرنا قالت إن الإقبال على التصويت في الانتخابات التشريعية الأخيرة كان شبه منعدم .. هناك ما يشبه القطيعة .
ثروة لا حق للإميضيريين فيها
إميضر واقعة على ثروة لا تقدر بثمن لكنها محرومة من الاستفادة منها حتى إشعار آخر، فأكبر منجم للفضة بكل إفريقيا يقصي أبناء المنطقة من العمل في المنجم رغم الأرباح الطائلة التي يجنيها... دائما بحسب السكان.
شعور بالغبن وبالظلم والحكرة يعتمل دواخل الإميضيريين، يشعرون بالتهميش وتناسي دولتهم لهم... لا شيء يوجد في إميضر البالغ عدد سكانها 8000 نسمة والممتدة على مساحة تفوق 140 كلم، هناك دواوير لم يصلها نور الكهرباء بعد... لا مرافق عمومية لا أنترنيت هنا، لا مكتبات ولا حتى كشك جرائد، هناك مستوصف وحيد به ممرضة وحيدة ويفتقر لأبسط الشروط وتعوزه الأدوية، "إنها باختصار إميضر كما تركها الاستعمار وكأن التاريخ توقف" يصفها مواطن ينحدر من إميضر ويقطن بأكادير .
منذ ما يزيد عن الشهرين انضم تلاميذ إميضر إلى أقربائهم وقرروا مقاطعة الدراسة تضامنا مع عائلاتهم واحتجاجا على معاناتهم مع وسائل النقل التي توفرها شركة المعادن ولا تسع جميع التلاميذ بالإضافة إلى ضعف البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية ليسطروا ملفهم المطلبي الذي ينضم لقائمة المطالب التي لا تعد ولا تحصى التي لا تطالب بها الساكنة"... في إميضر إعدادية واحدة ومدرسة ابتدائية تتبعها فرعيتان فقط ولا شيء بهما وظروف التلقين سيئة فيما الثانوية بعيدة جدا" يقول أحد التلاميذ في شهادة على العصر.
الثلاثاء فقط قطع التلاميذ 7 كيلومترات مشيا على أقدامهم واحتجوا أمام مقر الجماعة مطالبين بالاستجابة لمطالبهم الواضحة في تمكينهم من حقهم في التمدرس اللائق ، بشجاعة واصلوا وجابوا كل دواوير الجماعة وصولا إلى جبل ألبان تضامنا مع المعتصمين هناك مصرين على استمرارهم في مقاطعة الدراسة إلى أن يستجيب القدر لشعب يريد الحياة .
فاقدي الأمل ومحبطين من هذا الإهمال المتعمد، يكمل موحا أكراولي " لم يصلنا أحد لا أحد يهتم بنا لا الحكومة ولا حتى جمعيات حقوق الإنسان والصحف أيضا تمارس بعض التعتيم على قضيتنا "، حينما تستوقفه عن مآخذاته على تعامل الصحافة يستدرك"... بعض الصحف كتبت أن المشكل الموجود في إميضر هو مشكل بين عمال المنجم وإدارة المنجم و السكان هذا غير صحيح نحن لدينا مطالبنا وهي واضحة ولا أعرف إن كانت هاته الصحف قد كتبت ما كتبته عن حسن قصد أم أنها تريد تزكية ما تقوله إدارة المنجم ...".
باتت إميضر التي تعيش في عزلة تامة ملوثة تفوح منها رائحة كريهة إنها رائحة الغازات السامة التي يطرحها المنجم كمادة السيانور المحظورة عالميا... لكن هيهات ومن يهتم بالمضاعفات الخطيرة التي يمكن أن تصيب البؤساء في إميضر من عسر في التنفس واختناقات فضلا عن تأثيرها على الأراضي الفلاحية ورؤوس الماشية ، الأولوية للإنتاج والأرباح.
طيف ذكرى 96 يخيم على إميضر
وإلى أن يحرك الله في النفوس البشرية شيئا من الإنسانية لازالت معركة الإميضيريين مستمرة، لا يزال جبل "ألبان" البعيد أربع كيلومترات عن أقرب دوار في إميضر رمز الصمود الذي يصر فيه المعتصمون ألا لا رحيل حتى يؤمن أهل البلاد أن ثمة هنا بشر، لا يزال الرجال والشبان يبيتون الليلة تلو الأخرى هنا وتلتحق النساء والأطفال طيلة اليوم للسير جنبا إلى جنب في مسيرات يومية"... هنا نناقش بديمقراطية نقيم حلقيات لتدارس الخطوات القادمة ويطرح جميع السكان آراءهم ويقدمون اقتراحاتهم " يتحدث بفخر أحد الإميضيريين .
معاناة الجماعة القروية البعيدة عن تنغير ب 30 كيلومترا لم تنتهي ها هنا، إميضر تعيش حالة من الحصار البوليسي الخانق والعسكرة للقرية، "الساكنة تتعرض لاستفزازات أمنية والمارة يتعرض بعضهم للاعتقال والاستجواب كانتقام من الساكنة على اختيارها قرار الاعتصام والمطالبة بحقوقها " وصف لنا شاهد من إميضر... ومضى مفضلا أن لا نكشف عن اسمه "هناك إنزال أمني كثيف في الليل وسيارات الأمن تتحرك بسرعة جنونية في محاولة لتخويف الساكنة وترهيبها ونحن ندين هذا فمسيراتنا سلمية ومطالبنا عادلة".
بالعودة سنوات إلى الوراء لم تكن هذه الانتفاضة الوحيدة لسكان إميضر فقد سبقتها انتفاضة سنة 1996 حين نظم الإميضيرون اعتصاما مفتوحا على الجنبات المؤدية للطريق الرئيسية تعرض لقمع عنيف أسفر عن عدد كبير من الإعتقالات والجرحى وتوفي أحد المعتقلين وهو لحسن أوسبضان الذي يقول الإميضيريون إنه توفي تحت تأثير التعذيب، بعد الأحداث التي تلت عيد الأضحى أصدرت حركة تطلق على نفسها "على درب 96" تندد بما يتعرض له الإميضيريون والتجاهل المستمر وصم الآذان عما سموه ب "القضية الإميضيرية " محملين المخزن المسؤولية كاملة عما آلت إليه الأوضاع في المنطقة.
رسالتهم الأخيرة إلى العالم الحر، لا نطلب شيئا من الخيال يقولون، يلخص أكراولي مطالبهم في: النهوض اجتماعيا بالمنطقة، إيقاف استغلال مياه الآبار، تزويد المنطقة بالماء الصالح للشرب، تحسين شروط تمدرس الإميضيريين وتوفير وسائل النقل، تشغيل ساكنة المنطقة، إعداد خطة للمحافظة على البيئة وإعادة النظر في الاتفاقيات المجحفة التي يبرمها المجلس الجماعي والشركة التابعة للهولدينغ الملكي... وفقط... هل يريدون تكرار تجربة سنة 1996؟... يبدوا أن ذلك آخر ما يفكرون فيه فكل ما يريدونه هو العيش بكرامة ...هنا إميضر حيث لا حياة.

إعداد : عماد استيتو بتاريخ 7/12/2011