الثلاثاء، 7 فبراير 2012

قصة قصيرة : نور الغرفة


نور الغرفة


النور مضاء في غرفتها في المنزل المجاور لحينا ، لا شك أنها هناك الآن تدرس بكد كعادتها بينما أمضي أنا لأقضي وقتي الفاشل في شارع تذكر ملامحها ، أتذكر وجهها وملابسها ، العيون والكلمات ، النور مضاء في تلك الغرفة ، حتما هي هناك ، كان سعيد يحدث نفسه وعيناه لا تفارقان النافذة ،كان شبه أكيد من أن طيفها إن لم يكن جسدها كان حاضرا هناك ، أو على الأقل هكذا أحب أن يتوهم وهما جميلا ، إنها هناك بين أوراقها وأرقامها ومعادلاتها تحضر لامتحانها كما حضرت لتحطيم فؤاده ذات يوم ، كان سعيد يعيش على أمل أن تطل من النافذة ، ربما تأخد استراحة صغيرة تستجمع معها شتات الأفكار ، ربما يقتحمها الفضول لتتجسس على المارة في الشارع ، أو في أغبى وأفدح حالات تفاؤله يظنها أحست بالساعات الطويلة التي قضاها ينظر إلى نافذتها المواربة ، لم تكن النافذة مغلقة تماما وهو ما زرع في نفسه أملا ساذجا وانتظارا غير ناضج ، يمشي يمنة ويسرة ويحرص على أن يثير منظره الريبة في الحي ، بقي على هذه الحال ما ينيف عن الساعتين ، المسكين كان ينتظر الإشارة " بغيت غير نشوفها من بعيد " كانت تتحدث دواخله ليصمت صوت عقله ، ... أطفأت الأنوار ، انتهت سهرتها على ما يبدوا ، سعيد يغادر وهو يجر أذيال خيبة أخرى تستقر في دولاب هزائمه المتعاقبة .

هل نامت ؟ صحيح هي تنام مبكرا ؟ حتى أنها لا تدخل الأنترنيت ... يائسا كان سعيد يسأل أسئلة يعلم يقينا أن الجواب عنها لن يفيده في شيء ، لا يزال الوقت مبكرا على النوم إنها العاشرة مساء فقط وخلوده للنوم باكرا لن يفعل به سوى تعميق الأرق ، طيلة الطريق إلى تلك الحانة ترك ذكرياته تندلق ، منذ أول نظرة حتى آخر كلمة جمعت بينهما ، " تاوالله تا راني هبيل ما عندي عقل مالي على حالي كنتعلق فين نتفلق .." يستفيق وعيه في لحظات ، منذ أشهر وهو يقضي وقته بين اقتفاء سرابها والمقاهي الداعرة والحانات وأرصفة الشوارع ، كان يحدث أن يشرب كثيرا حتى يثمل ليشرع في مسلسل هذيان لا يتوقف عن الحب والسياسة ، لا يتذكر شيئا في الصباح الموالي حينما ينهض متثاقلا ، " .. راك كنتي تاترون البارح ا صاحبي نسا عليك الدرية " يعاتبه صديقه المهدي  الذي قضى الليلة الماضية في منزله .

يسأل مستفسرا عما قاله بعد أن امتص كل شراب البار ، " .. لم تقل شيئا سوى أنك كنت تقول كلاما غير مفهوم .. شيء ما مفاده أنها ربما ستندم على أنها لم تعرك اهتماما شي حاجة بحال هادشي " ، ثم يسترسل رفيقه " .. شحال من مرة كلتليك أ " كماراد " متورطناش فاش تسكر " ، كان يشير رفيقه نجيب إلى غنائه في حضرة الثمالة تلك الأغاني الثورية الغاضبة التي غفل عنها منذ فترة ، حدث أن خفت إشعاعه النضالي في الجامعة منذ أن تعلق بها ، ركن إلى اليأس العاطفي وتقلصت أحلامه وهجر معارك الرفاق ، كانت تلك السنة الطلابية الأخيرة  حافلة بالمعارك التي لم يشارك فيها ، كان رفاقه يفتقدونه وهو الذي بات الآن منهزما في كل الأشياء ، انهزم حتى في درب عاهدوا أنفسهم على أن يقتفوه إلى الحشرجة الأخيرة ، أين هي صرخاته الغاضبة ؟ أين هو من كل هذا ؟ لم تعد له قضية ، في النهاية خسر القضية والمرأة أيضا وخسر نفسه أيضا .

ليس في حاجة إلى أن يطرح على نفسه تلك الأسئلة التقليدية ، هل هو من النوع الذي تغيره امرأة ؟لكنها ليست أي امرأة ، إنها "قدس " وليست أية شابة ، فقط اسمها وحده كاف ليوقع أيا كان في حبها ، كان يردد سعيد دائما في لحظات يسرح فيها حالما ، حتى بعد أن تجاهلته ( هذا مع التخفيف .. الأصح أنها احتقرته ) ظل يعيش على هذا الجرح ، كيف يقع بروليتاري قذر مثله في غرام برجوازية متعفنة ؟ ( كان سؤالا من صديقه المهدي) ، " هل خنت القضية يا رفيق لهم حبهم ولنا حبنا يا رفيق ..." ما انفك المهدي يحاول دفعه عن جنونه .

أهمل سعيد بحث تخرجه ولم يعد منتظم الحضور للمحاضرات ، في غيابه حدث أن اعتقل الرفاق بعد تفجير معركة نضالية لتمكين الطلاب من المنحة الدراسية التي تأخرت ، كان من بين المعتقلين صديق عمره المهدي ، نزل الخبر صاعقا على سعيد ، كان المهدي صديقه المقرب حامل همومه ورفيق درب الدراسة الجامعية والنضال الطلابي ، حمل حقيبته وكوفيته التي بحث عنها طويلا (مر أمد منذ أن اصطحبها آخر نزلة نضالية ) متجها إلى ساحة كليته يبحث عن الرفاق والرفيقات ، استجمع قواه وخطب في الجمع بصوت متحمس  " سنصعد سنعتصم حتى إطلاق سراح رفاقنا " ،  تحركت الحناجر بشعارات " لن نخاف لن نخاف لن نهاب القمع البوليسي " " المعتقل ارتاح ارتاح سنواصل الكفاح .." وغيرها من الشعارات التي احتلت بهو إدارة الكلية ، تعاهدوا على الاعتصام هناك حتى يغادر رفاقهم الزنازين " ولو حملونا إلى نعوشنا سنبقى هنا حتى يعودوا إلينا " .

رضخ موظفوا الكلية الإداريون وغادروا مقرات عملهم بعد أن احتلت الإدارة وأصبحت مزارا يتضامن فيه الطلاب مع المعتصمين ، كان لافتا أن " الخوانجية " ( كانا فصيلين (العدل والاحسان والعدالة والتنمية ))تضامنوا أيضا مع المعتصمين ، لم يصدق سعيد عينيه ، هي هنا مع الإخوان المتضامنين ، دقق النظر جيدا وسرقته اللحظة .. على مضض رد التحية على ملقيها .. كان مشغولا ب "قدس " ، هاته المرة نظرت إليه نظرة أكثر حماسا وقبل أن يقترب منها لأداء ما يقتضيه واجب المجاملة نظرت إليه هاته المرة نظرات مختلفة ، نظرة أكثر تحمسا ، كانت تبدوا أكثر إشعاعا مبتسمة " .. الله معاكوم الأخ سعيد " قالت مادة يدها له للسلام وفي لمح البصر وبينما كان يلملم شتات صدمة المفاجأة كانت قد غادرت لتتركه لاستفساراته ، انتبهت رفيقته في الاعتصام سلمى إلى شروده " .. آه ا "كماراد " إذن هي من أبعدتك عنا كل هاته المدة إنها قدس طالبة مجدة ولامعة وفاعلة في شبيبة العدالة والتنمية .. أنا أعرفها هي شخص ودود " ، استسلم قليلا في نوبة فقدان للزمن ثم استدرك سلمى ( كانت سلمى تكتم حبها له ) " .. آه هي إخوانية " قالها بنبرة تشير إلى أن شيئا ما كان يشغل تفكيره وهو يرد على سلمى ، كانت سلمى أصغر منه بسنة ، ترافقه دائما ، كانا لصيقين ببعضهما لدرجة أن المقربين منهما فقط كانوا يعرفون أن علاقتهما لا تتعدى الصداقة ، سلمى فائقة الجمال ، قوامها ساحر ، عيناها تنم عن حنان يفيض به قلبها ، صوتها مرهف يخترق المسامع ليتسرب بلطف إلى الجوارح ، لكن قلب سعيد لم يكن لها ، كانت تعرف أنها تخسر سعيد مرتين ، الأولى لأن في حياته قضية وهو ما كانت تستطيع أن تتحمله ما داما شريكين فيه ، والثانية أن في قلبه امرأة وهو أعمق مما يمكن أن يهزم ، حب امرأة في قلب رجلها أقسى على المرأة من ديكتاتور مستبد ، لم يكن لسلمى من سلطان على قلبه ، على الأقل اليوم تعرف إجابة السؤال المؤرق عن هوية تلك التي استبعدته من رفقتها ومن حلم الرفاق ، ساد شيء من الصمت في المعتصم كان الوقت بعد الزوال ، استغرق سعيد في التفكير ، قدره ربما أن يخالف قلبه اختياراته ويختار له بالذات تلك من توجه يخالفه أشد الاختلاف " .. يساري يقع في حب إسلامية " همس على خفوت ، وما إن بدأ يستجمع أفكاره محاولا توقع القادم ( ابتسامتها كانت توحي بأما ) وهو يغفو غمضة قصيرة حتى أفاق على صوت صراخ سلمى " ... لا متضربش ... حيوان  ..." ، قوات الأمن اقتحمت الحرم الجامعي وشرعت في فض المعتصم ، ارتمى سعيد في وجه الهراوات وقدم جسده ليحمي سلمى " .. سعيد عنداك ظهرك سعيد عنداك ... " ، تستمر سلمى في الصراخ قلقة على سعيد وهو يتلقى الضربة تلو الأخرى على رأسه وعلى أعضائه التناسلية من رجال السيمي  ، " .. هاك لموك أولد القحبة أنت وديك القحبة اللي معاك تعلمو تهضرو على سيادكوم " وسط بكاء سلمى قال الشرطي وهو يستعمل كل ثقافته الغاضبة في بدن سعيد الذي خارت قواه من فرط تهشيم عظامه ، شدة الضرب لم تنل من براءة ابتسامة سعيد " ... مشيتي غالط مشيتي غالط مبقا يخلعونا زراوط " ، يستفز صموده الشرطي لينطلق في حملة ضرب جديدة لا تزيد سعيد سوى اصرارا " ..... اسمع صوت الشعب "   .

" سعيد لا تذهب يا رفيق أنا متيمة بحبك ... سعيد كنبغيك " وسلمى تذرف الدموع .. ، دماء سعيد نزفت بغزارة ، دماءه تغطي قميص رفيقته الأبيض ، " .. سعيد عافاك " ، بينما كان سعيد يغالب كلماته كان رفاقه يقفزون وراء الأسوار ويركضون إلى الأحياء المجاورة خوفا من الاعتقال ، " ... سامحيني يا رفيقة سامحيني يا سلمى ..على الأقل الآن سأتوقف عن توريطك في حبي " ، سلمى تبكي لأنها بدأت تدرك أن سعيد سيرحل ، ظلا لوحدهما في بهو الكلية بينما بقية الرفاق يسارعون نبضات قلبهم بحثا عن ملجأ لهاته الليلة للاحتماء من بطش القمع ، " .. يا سلمى لن نموت ولكننا سنقتلع القمع من أرضنا .. لا تصدقي أننا سنموت يا رفيقة .. سنبقى معا حتى نقتلع الموت .. سأكون معكم يا سلمي .. أخبري المهدي أنني لم أبع القضية .. إنها وصيتي .. " ، احتضنته سلمى تقبله بعنف يائس " .... سعيد لقد كنت أحلم أن نحقق أحلامنا الثورية معا .. لم أكن سأطلب منك الذهاب إلى موسكو إلى الساحة الحمراء .. كنا سنحيا هنا  فقط ونهزم موتهم المكتوب لكن ... ؟" ، وقد فرغت الساحة بعد أن نفذت القوات العمومية جرائمها كانا يتحدثان الحديث الأخير ...

- " .. شرف لي أن تكوني آخر من يحملني يا رفيقة .. لم أكن أستحقك على كل حال .. لا تستحقين أن تتعلقي بقضية خاسرة " .
- " كاماراد .. لا تقل هذا ، سننتصر سنشيد قلاع الحرية كما تقول القصيدة .. سننتصر معا ... لا أعرف كيف أستمر من دونك " سلمى تتعلق بآخر حروف سعيد .

- " ... طبعا سننتصر يا رفيقة ... لو كنت تحبينني فعلا عليك أن تتمسكي بنضالنا .. اعتبريه قصة حب جمعت بيننا .. أنا أمنحك حق هذا الاعتراف ، كان بيننا حب نضالي يا رفيقة .. تمسكي به .. تمسكي به يا سلمى   ...... آه  أخبري "قدس " أن تترك نور غرفتها مضاء فأنا قادم هاته الليلة .... ".

ثم رحل سعيد .


بقلم : عماد استيتو – كاتب وصحفي مغربي -

نص : مجرد كلمات


نص : مجرد كلمات




ما الحياة ؟  هي الدرك الأول من جهنم ...هي العناق الذي يعذب شهوة رجل إلى حتفه الأخير .. هي تلك الوظيفة المكتبية البيروقراطية ، لكن الحياة سنة أم فرض ؟ هل هي أنثى فاتنة أم ذكر غير مكتمل الرجولة ؟ ربما الحياة هي الاحتراب الذاتي الدائم ، قد تكون الحياة أيضا الخطيئة التي تقود إلى الجحيم ، ما الحياة ؟ هي اللقمة المستعصية على الهضم .. هي آخر جلسة مداولة قبل الحكم النهائي ... الحياة نميمة تسارع الزمن .

ما الموت ؟ هو انتصار على الزيف ..لحظة ارتقاء إلى الصداقة .. هو الشرط الوحيد لحياة طبيعية ،لكن هل الموت فعلا هو لحظة الفراق ؟ أم هو البداية اللقيطة ؟ الموت ليس قدرا وإنما أمل ، الموت أيضا هو لحظة اكتشاف الخديعة المتأخر ، ما الموت ؟ هو احتفال حتمي .. هو الحبيب الذي ننتظره طيلة العمر ...هو رجل يتأخر دائما عن مواعيده ... الموت هو أن نظل إلى الأبد من دون أنياب ... الموت هو أن تطوق البيعة أعناقنا .

ما الحب ؟ هو عارض من أعراض السرطان الذي لا علاج له .. نهم للأكل بشراهة يختفي مع أول لقمة .. هو البحث عن قطرة ماء صافية في بئر ملوث ، لكن هل يشمل الحب كل الحروف وهو الذي حكم ديكتاتورا بسلطة الحرفين ؟ ما الحب ؟ الحب نظام قمعي يدعي رغبته في الإصلاح .. هو كذلك مطر عنيف يسقط ومظلتنا ليست معنا .. هو قضية مؤجلة الحكم .

ما الأمل ؟  هو معركة خاسرة يتوهم من يخوضها تطويع المصير .. هو شمس الصباح التي نعتقد بدوامها طيلة النهار ..هو عجوز تخضع لعملية تجميلية على نهديها ، لكن هل الأمل هو فقط تلك الأجهزة الكهربائية التي تبقي الميت سريريا على قيد الحياة لبعض الوقت ؟ ما الأمل ؟ أهو محاولة جنسية يباشرها مثلي مع امرأة ؟ أم ربما هو الخيبة المعلقة على مشجب التعلم والبدائية ؟ الأمل ليس تاريخ ولادة جديد ، الأمل مرادف لليأس الأزلي ، الإيمان بالأمل لا يفعل سوى تأجيل تاريخ إعدام مسجون يعرف أنه لن يستمر ، الأمل خسارة مضاعفة ، الأمل هو انتصار الشيوعية يوما ما  .


ما الجنون ؟ هو ارتشاف فنجان من القهوة في ساحة الوغى ..البقاء شريفا طاهرا ... التفكير في المستقبل ، لكن الجنون يكون أكثر ألقا من التعقل ، ما الجنون ؟ الجنون هو انتظار عطف الحاكم ، الجنون هو الاعتقاد أن امرأة تثير شهوتك الجنسية ستنسيك الحب الأول ، الجنون شرف يحلم به كثيرون ، تحتاج حروبا باردة عديدة لترتقي من مصاف العقل المستهلك إلى نشوة الجنون ، الجنون هو رعشة بلوغ الذروة .

ما الانتصار ؟  هو وهم تتواطأ معه نواقص الأنا .. هو  قمة الفشل في أقسى درجاتها ... هو ممارسة الحب على ظهر دبابة ، لكن هل الانتصار امتداد في الزمان و المكان ؟ الانتصار أزلي أم مؤقت ؟ ، ما الانتصار ؟ الانتصار ليس فوزا ، الانتصار هو بداية  الانهيار  ، الانتصار تسليم بأن هناك هزائم ، الانتصار هو العيش في حالة صراع داخلي ، الانتصار عيادة لا تشفي من الغرور ، الانتصار أيضا هو محاولة تائهة لتحدي الحتمية ، الانتصار مرض شوفيني .

بقلم : عماد استيتو – صحفي وكاتب من المغرب -

الثلاثاء، 17 يناير 2012

قصيدة : حاشا سيدتي

قصيدة : حاشا سيدتي



البرد قارس سيدتي

لا الكونياك البالي ولا الجعة تنفع
لا معطفك الأحمر يدفىء ولا صورتك تغني من جوع
سيدتي ينهشنا البرد وأنصاف النساء

وحدنا سيدتي في حضرة الخوف
يقترف فينا الليل جناية الوهن
ثم يرسل في طلب النجدة
ويبعث مراقبين كجامعة العرب

لماذا رحلت سيدتي ؟
نحن يتامى يأسرنا الانتظار
نحن أوفياء يجافينا الموت
يا سيدة الكل لماذا رحلت ؟

تسألين ، أيحبني الوطن وأهل الوطن ؟
سيدتي الوطن دونك حرام في شريعتنا
هذا الوطن زان وابن بغي منحط
بريء من دين الأمم وطن لا تتسيدينه

سنركع سيدتي لقنينة خمر تقسم أن لا تؤمن
سنركع ركوع المتدبر في آيات الطاعة
أكنا قبلك مجوسا أو قوما آلهتهم الأصنام ؟
ومعك سيدتي آمنا بإله لا يقهر ؟

أيحق لنا السؤال وقد هرب منا الاختيار
الليل يرتب في صمت الصفقة مع البرد
وكأننا أغبياء القرن لا نفهم من الزمن إلا أنت
وتأتين إلينا في آخر الليل لنركع

لا النوم يغلبنا
ولا فتاة الليل المؤمنة بقضيتنا تؤنسنا
ويهادننا الانتحار ويهرب عن ثورتنا
يؤنبنا ضمير اليأس ويسقينا كأسا لا تفرغ

أم تعاقبنا لأننا أخلفنا الموعد الأخير
كان الجو حارا والجسم لا يتحمل
فنحن ضعاف يلفظنا كل شيء إلا دينك

يأتينا المطر برسالة أفسدها البلل
كتبت بخط الدم وأيقظت الجيران
آسف سيدتي .. الرسالة مجرمة
مرسلها زاهد في جنة عدن

تقول الرسالة يا سيدتي منكرا
إنا ما عدنا نعبدك
إنا ما عدنا خدما في قصرك
أننا لك لن نركع ؟


أعوذ بالله وحاشا سيدتي
أن نخون كما فعل الشعب اللقيط في الساحات
سنقبل اليد اليمنى واليسرى
ليسوا سوى مجرد حشاشين مخبولين

 سننحني لطفلك كما فعل الرجل الوطني 
حتى لو حمل منا الدهر سفاحا
وسنؤدي له تحية العسكري والمدني
سيدتي سنقف في طوابير لا تنتهي للاستقبال

حاشا سيدتي أن نثمل سخطا
لا تغرينا ساحاتهم الماجنة
وشبق حريتهم الفاسدة لا يسكر
لا يريحنا سوى أصابعك وأصابع صغيرك وهي تهرب من شفاهنا المرتوية

من مدينة إلى مدينة لن نفشي السر
أنت كما الكائنات الخرافية دائما تعودين
أنت كما القط الذي تطيعه الفئران
حاشا أن نتركك سيدتي

لكن أتعجبين للوطن الآخر ؟
سيدتي هم قوم اغتنوا مذلة وشربوا من ماء البؤس
سيدتي هم ناس لا يعرفون مطرا سوى الدمع
سيدتي ، هم لا يسكنون إلا بيوتا من طين

استوطنوا الجبال
يتكلمون لغة قد لا تفهمينها يا حبيبة الكل
خطابك الأخير لم يروه لأن لا تلفزيون لهم
قد لا يعرفونك حتى سيدتي

ماعادت القوانين تعنيهم
الآن احتلوا الشوارع والدير والدروب
لو كان لهم ذرة إيمان بالقدر لما فعلوا
لكانوا صفقوا كما نواب البرلمان سيدتي

لكن تبا لهم
ليس للمرتدين عن دين التوحيد من ملجأ
فليبحثوا عن وطن يمارسون فيه عادتهم السرية
ليبحثوا لهم عن قوادة ابنة ناس تهب لهم عذراء شريفة


نحن نبيع كل شيء سيدتي
الديار والأهل والخليلات والروايات
سنبقى نركع سيدتي
وحاشا أن ندين بدين آثم

سنسجد ثم نتهجد بحمد رسالتنا
سنقفز من سفينة كوكبنا ونبقى معك سيدتي
وطفلك المشاغب الديكتاتور يستعد ليرث زلاتنا وزوجاتنا وسجداتنا
حاشا أن يكون هذا شيمتنا سيدتي الآلهة

بقلم : عماد استيتو - 17-1-2012

الخميس، 5 يناير 2012

مقال رأي : سكوت حنصور



سكوت حنصور ..





جلسنا نتابع تلك المبارزة الدامية في حلبة يلتف حولها الآلاف من المتحفزين ، مباراة مصارعة حرة أمريكية على ما أعتقد بين بطلين يضرب لهما ألف حساب ، تبدوا المواجهة شرسة والضرب المبرح يكتب العنوان الأبرز بالبنط العريض ، لكن مهلا نتذكر أن كل المسلسل مزيف ، إنها لعبة للترفيه فقط ومعظم المشاهد تمثيل فقط ، إنها سينما فقط يا حبيبي تقول رفيقتي وأنا الذي كنت قد بدأت الانسجام مع الجو ، آه إنه تمثيل فقط لكن صدقا إنهم ممثلون بارعون جدا .

ليسوا أبرع من ممثلينا ، يقول أحد من الرفاق في تلك الليلة الخمرية ، هل لنا فعلا ممثلون يجيدون التمثيل  ؟ طرحت هذا السؤال ، أعرف أن لنا ممثلين وممثلات لكنهم أنفسهم لا يجرأون على أن يزعموا أنهم ممثلون يجيدون أداء أدوار بتلك الدقة والحرفية الخادعة ، تستدركني الأخت في مجمع لا يفصل بين الرفيقات والأخوات :"  يبدوا أن الإحباط والركون إلى اليأس استبد بك يا رفيق حتى ما عدت رفيقا و لا أخا ما عدت قادرا حتى على أن تميز بين لعبة شريفة ومسرحية مطبوخة أم أنك شربت من نبيذ الأسياد وثملت ديمقراطيتهم ؟ "، ولكن كيف يمكن أن يكون كل هذا لا شيء ، كيف يمكن ؟ يهيأ لك أن ساحة المعركة حقيقية ، تعتقد أنك تراها بعينيك المثقلتين انتظارا ، كل شيء هناك الغريمان والأضداد وذلك الحكم النزيه الذي يتدثر بالشرف والبراءة ، كل شيء موجود هنا ، تبدوا مباراة حقيقية تماما كما مباراة المصارعة تلك .

لكن لا شيء يحصل فعلا في واقع الأمر ، إنهم يمثلون فقط ، يرفعون عقيرتهم عاليا حتى يخيل إليك أن المسألة وصلت حدا لا خط رجعة معه ، تنتظر معها تفاصيل القادم من الأحداث ، ترقب باهتمام ما سيقوله هذا أو ذاك ثم قد تتعاطف مع هذا الطرف أو الآخر وهما منك بأنه ثمة أطراف عديدة ، ثم تسمع باتفاقهم وتنسج انتصارا عابرا أو استنتاجا عفويا ثم تغادر مع نهاية الجنريك ، ظننتهم يتعاركون ، ظننت ذلك الأخ التقي يواجه ذلك الشيخ من ساكني دار البقاء وبينهما ينتظر الرفيق الآخر أن يأذن له المخرج بفرصة فقط فيما الرابع انضم إلى مقعد خلفي إلى جانب المتفرجين دون أن يدفع ثمن التذكرة ، السيناريست لم يحضر لأنه لا يريد مواجهة مباشرة مع جماهير قليلة الذوق عادة لا تؤمن بالفن الرفيع كما لا تؤمن بالقضاء والقدر والمكتوب ، أصلا المتفرجون لا يعرفون أنه تمثيل فقط .

لكن المخرج ذكي ، لكي يخرج من عقدة القصة يستعمل خطة إضعاف طرف لحساب طرف بإخراج أحد أبرز أوراقه وانضمامه إلى الطرف الثاني يوما واحدا فقط قبل الحسم ، بعد ذلك يصل إلى النهاية وبعدها من المفترض أن يصفق من شاهد الفيلم لأن النهاية ستكون سعيدة بعد تفادي سيناريو مميت ، يفترض أن نصفق بحرارة ، تماما كما نفعل عندما يفوز المصارع بالضربة القاضية حتى ونحن ندري أنها سينما فقط .

تقريبا كما يتظاهر والد بعقاب ابنه تنفيذا لرغبة والدته أو العكس يفعلون كما يعاقب طفل بقطعة حلوى ثم نصفق ،أيضا عندما نرى أخانا الورع في التلفزيون يسبح بحمد الرب الواحد ويطلب من المذيع أن يتركه يكمل ثم يمضي في تلاوة صلواتنا للسنوات الخمس القادمة ، هل علينا أن لا نؤمن ؟ أو عندما نتخشع بنبرة صوت وهي تتردد ونسمع ، ربما علينا أن نكفر .

عفوا ، كلام الأخت الفاضلة يبدوا صائبا ، أحد عشر لاعبا جديدا قبل أن يغلق اتحاد اللعبة سوق الانتقالات في انتظار الانتقالات الحرة المفتوحة ، تبدوا مجددا مباراة حقيقية ، لكن من سيلعب ؟ ... عفوا مجددا نسيت كلام الإخوة والرفاق يبدوا أنني أفرطت إدمان شراب ديمقراطيتهم الفاخر ، لقد أدمنته حتى أصبحت أصدق ، نسيت حتى أنها السنة الجديدة ، إنه فيلم العام الجديد ، لقطة السنة ليست ككل سنة ، ابتدأ العمل مجددا علينا أن نعود للمقاعد الخلفية لنتابع التمثيلية وهي تؤدى .. سكوت حنصور .

بقلم : عماد استيتو –صحفي مغربي

الاثنين، 19 ديسمبر 2011

قصيدة : سنبقى معا يا رفيقة

قصيدة : سنبقى معا يا رفيقة





في بحر الألوان

أزرقنا صار أحمر
وأمواج الربيع 
تقلب عن وردة ، عن شهيدة في الميدان

قبل المغيب
نلقي آخر نظرة
أتصل بك في ساحة الحرية
فلا تجيبين

لا تجزعي سننشد معا
سنمارس الحب لأجل الشهيد
وننهض باكرا بحثا عن عربة خضار
سنلتقي العمال والفلاحين والطلبة

إلى الميدان سنمضي
إلى آخر الرواق 
حيث تنتظرنا جحافل المرحبين
لنعزف لحن الأبد ، عاش الوطن

ستبتسمين ملء الرصاص
سنقهقه على صوت الغاز
لنختلس قبلا شقية أخيرة يا رفيقة
قبل السفر

الميدان غاص
ضوضاء ، صجيج ، عساكر
أأنت معي يا رفيقة ؟
سنبقى معا يا رفيقة

قد نسبق معاد إليها
أو قد نلحق به إلى الجنة
يا صديقة فلنذهب إليهم
فلنلحق بركب الرفاق

في الحانة يوم أمس شربنا نخب الهزيمة والنصر
قد تكون الأخيرة
وعرجنا نحرض بائع الخضار
ثم لعننا الصحيفة النيوليبرالية

كتبنا المقال الأخير
دوناه على الورق بالحبر كما الأيام الخوالي
نفضنا سجائرنا وأرسلناه
ثم ذهبنا للقاء في العتمة

سنبقى معا يا رفيقة
سنفتش عن الربيع بحثا عن قنديل
أين النور ؟
سنبحث عنه معا في الميدان

سنغني كما كان يفعل
سنمارس الحقد 
سنحقد ، ثم نحقد ، ثم نحقد
حتى تزهر زهرة الحرية

حتى نغتسل بدماء النعيم
ونشرب منها شرابا يسكر من النشوة
ثم نلعب الغميضة  نحن و الأرانب
بعد أن نفرغ من الثعالب

سترسمين رسمك المعتاد
وأفشل في كتابة قصيدة كما دائما
سنلتقي ومعاد لنحقد
لنمارس علاقتنا الثلاثية الشاذة

سنسبح بحمد الألم
ونركع للصبر
ونمجد الجلد والسياط
فغذا سنعربد على مشهد الشروق

سيحضننا الوطن ولن يفلتنا
زنازيننا متباعدة 
لكن ما عاد الأمر مهما
فقد بتنا أقرب إلى السماء

سنلتقي ثلاثتنا
بأحكام الفيزياء والرياضيات وكل العلوم
سنفزع معا وسنطير معا
سنبقى معا يا رفيقة

يارفيقة ارفعي رايتنا جيدا
وقولي شعارنا
وغني نشيد معاد الأول والأخير
ولا تنسي أي حرف

ألم نقسم بثدي الأمل
ألم نتعاهد أمام الليل
أن الصباح سيأتي ولو بعد حين
سيأتي ليبقى ولن يذهب ، لا لن يذهب

ليس كفتاة ليل تغادر مهزومة بعد علاقة
ليس كباحث عن اللذة يغتسل بعد الشهوة
ليس كالوهم بعد الحلم
سيأتي الصباح يا رفاق

سنحفر القبور الآن
سنضع أسماءنا 
سنعيش هناك 
لا يهم الآن أو لاحقا

سنرفع شارة النصر
ونحدق نظرات كلها شزر
حاقدون ، غاضبون ، حانقون 
ففي القلب الميدان

لسنا الوحيدين في الساحة يا رفيقة
أخبرتك ستكون لنا حتما رفقة
قناص وسيم على السطح
ودبابة يضحك مدفعها 

لسنا وحدنا
الشيطان المؤمن يباركنا
فلندخل ، فلندخل
إلى الميدان

لن نخاف من الميدان
إنها أرض جدك ووالدي 
سنواسي الألغام
ونشد من أزر المهاجمين

هيا بنا يا رفيقة
للقاء دون أغلال
سنلتقيه ، سنلتقيه 
 معا يا رفيقة 


بقلم : عماد استيتو

21-12-2011

الخميس، 15 ديسمبر 2011

لسنا ركاما بعد


لسنا ركاما بعد



" في البداية يتجاهلونك ثم يسخرون منك ثم يحاربونك ثم تنتصر فيأتون صاغرين " خرجت هاته الكلمات العظيمة ذات يوم من فم الرائع غاندي ، لست أدري لماذا تحضرني في  هاته الأيام السعيدة التي بات فيها كثير ممن يصفون أنفسهم بالعقلاء  بقدرة قادر يوزع صكوك الوطنية والولاء للوطن لمن تشتهيه نفسه العفيفة فيفتي بخروج هذا عن الطاعة وذاك عن طريق الرجحان ، ينعت هذا بالمراهق وتلك ب " اللي ما عندها شغول " ويمضي في وصفه المنطقي جدا ليلصق تهمة " الثورية البائدة " و " لعب الدراري " بمن يراهم تجاوزوا الحدود ويستحقون التأديب .
 
ثمة في هذا الوطن على ما يبدوا من يعاني من عقدة اسمها عقدة الحجر على أفكار الآخرين ، ثمة من يريد للرأي الأوحد أن يسود ويحكم ، ثمة من هو مصاب بأزمة الافتقار إلى الفعل لذلك فهو يلجأ لممارسة رد فعل يرضي غروره العليل ويحاول من خلالها إقناع نفسه أنه على صواب ، تفتقت عبقرية كاتب افتتاحية إحدى الجرائد الوطنية في عدد الأربعاء 14 دجنبر 2011 لينطلق في ممارسة الدفاع عن ما وصفه " البراهش " بالشيطان ليبدأ في سوق خطاب غزل جميل عن الموروكو مول وفتوحاته وبطولاته التي يتغنى بها الجيران قبل أهل الدار ، قال الملاك ردا على أبالسة العهد الجديد  إن الذين يزورون مركب موروكو مول بالآلاف أكثر مما تجمعه مسيرات أولئك الشياطين الذين يخرجون نهاية كل أسبوع لينطقوا شعارات غامضة وغير مفهومة .
 
صاحبنا يرى أن مشروع السيدة أخنوش مشروع مفيد وهذا حقه الشخصي ورأيه الذي يلزمه وحده ولا يملك أحد أن يصادره لكنه يذهب أبعد من ذلك ليمارس طهرانيته ويشرع في تقديم الدروس للشباب المتهور ولأولئك المغرر بهم " لنقلها صراحة هؤلاء الفتيان زادو فيه لأنهم أصبحوا يخلطون أي شيء بأي شيء ليخرجوا علينا بخلطات خيميائية شعبوية تسر الناظرين من العدميين إنهم فتية تعلموا في المدارس لكنهم يصمون آذانهم عن الحجج العقلية ويستبدلونها بدغدغة عواطف البؤساء الذين بدأت تنكشف أمامهم وجوه شباب يحتقرون ذكاءهم ويريدون أن يمتطوا ظهورهم للوصول إلى الزعامة الدونكيشوطية في زمن غير الزمن " يقول السيد المحترم ، ولست أعرف أي زمن يقصد أن ليس كالزمن الماضي ،هل هو الزمن الذي يشتغل فيه البؤساء الذين حن لحالهم مرهف الإحساس طيلة اليوم دون أن يمكنهم ما يكسبونه من دراهم من ارتشاف ثمن كوب قهوة واحد في ذلك الفتح المبين الذي يقول فيه شعرا ،هل هو الزمن الذي يقسم فيه العدل على أن لا يكون حكما ؟ ولست أعلم عن أية حجج عقلية يتحدث الرجل ، بؤساء الوطن يبحثون عن كسرة خبز يا سيدي لا عن الترف ، كنت لتبدو أكثر رزانة لو تحدثت عن الخمسة آلاف منصب شغل التي وفرها المركب التجاري للعاطلين ، كان في الإمكان أن نرفع لك القبعة على دفاعك عن حقوق الكادحين والمحتاجين في زمن قل فيه الشرفاء طبعا ...أسأل أيضا عن تلك الوجوه التي تحتقر ذكاء البؤساء ؟  أليست هي تلك الوجوه التي تبيع له الوهم بين صفحات جريدة يملكها ليبرالي يعيش في برجه العاجي ؟ أليست هي تلك الوجوه التي تدعوه للافتخار بمشروع  يعرف أنه لن يستفيد منه ؟ أليست هي الوجوه ذاتها التي تحثه أن لا يكون عدميا لأن غدا سيكون أفضل ؟ أليست هي الوجوه التي تهرع للتدبيج كلما تحدث فاه بما لا يعجب وبما قد يجد طريقا إلى قلب البسطاء ؟ من يحتقر ذكاء البسطاء حقيقة ؟ ذلك الذي يقول رأيه بصراحة دون ماكياج أم ذاك الذي يمارس هواية الوقوف بجانب التيار ؟ لم أعد أعرف ، ربما أخطأنا الزمن وعلينا أن نبحث عن آلة الزمن علها ترجعنا للوراء حتى نتخلص من سخافاتنا وهلوساتنا عملا بنصيحة صديقنا ، ربما .
 
قد نكون محاميين فاشلين أيها القاضي الناجح جدا لكن قضيتنا عادلة ، على الأقل لدينا قضية نعتقد بصحتها ونؤمن بذلك ، يلوم تجرؤنا أو ربما نقدنا لما أصبح مقدسا دون علمنا ، ثمة خطوط حمراء .. هذا ما يحاول أن يلوكه صديقنا " .. لن تواجهوا إلا شعبا يقول لكم سيرو تلعبو على قدكم " ، من نحن يا صاح ؟ نسيت أيضا أن أعلمك أننا لم نعد نعرف كيف نلعب ، لقد أضعنا طريق اللعب منذ مدة ، لا نلعب بالملايين ولا تقدم لنا الامتيازات ولا نعفى من الضرائب ولا تقدم لنا الأراضي مجانا ولا يوما كان طريقنا سالكا ، .. آه نسيت علينا أن نحول حربنا إلى المفسدين الذين نراهم رأي العين ، أعذرنا فنظاراتنا ليست كبيرة بذلك القدر سنبحث عن أخرى بميزات أفضل في محجنا بعد أن نتوب من الكفر ، لكن مرة أخرى ستسألنا سؤال كل مرة .. من أنتم ؟ سنترك الجواب لزمن غير الزمن .
 
معك حق ، نحن فتية تعلمنا في المدارس ، في مدارس مكتظة حشرنا فيها كعلب السردين ، في مدارس درسنا فيها كل شيء دون أن نعرف شيئا ، في مدارس علمتنا السمع والطاعة ولم تعودنا على نقض المسلمات والقدر ، معك حق طبعا .. ، لقد أخطأنا الهدف فعلا ونسينا أن الفسا د يظهر ليس فقط في البر والبحر بل أيضا في تلك الصفحات البيضاء العذراء التي تغتصبها أقلام رصاص ، نعم ما نقوله لا يناسب مستوياتنا الدراسية ، كان علينا أن نكون أكثر وعيا ونضجا ، لا بأس سنحاول مرة أخرى إن كان رصيدنا عندكم يسمح .
 
في وطننا ثمة ناس تعيش بشكل جيد جدا وثمة ناس من الجيد فقط أنها تعيش ، إنه كلام فقط نقوله نحن مراهقون حالمون يصارعون مراوح هوائية أو عدميون فاقدون للإيمان  ..يقولون ، ربما يبيعون جلدنا الآن قبل سلخه بثمن يرضي الزمن الذي لم يعد كالزمن لكننا لسنا ركاما بعد  سيدي القاضي، لازلنا نملك صوتا ولو كان مبحوحا .. لسنا أمواتا بعد ثمة فينا حياة تدب ، ربما نكون متهمين الآن بين القضبان في محكمة تنصب لنا المشانق ، هل لنا الحق أن نطلب منك أن تكون منصفا سيدي القاضي ؟  فهذا العالم كما يقول كنفاني يسحق العدل بحقارة كل يوم ...  .

بقلم : عماد استيتو 

الاثنين، 12 ديسمبر 2011

الذكرى 34 لرحيل أيقونة المناضلات المغربيات سعيدة المنبهي


الذكرى 34 لرحيل أيقونة المناضلات المغربيات سعيدة المنبهي



كتبت من السجن 'إذا أهداني السجانون للموت.. تذكروني بفرح'
تخلد الحركة الحقوقية المغربية يوم الأحد الحادي عشر من ديسمبر الذكرى الرابعة والثلاثين لاستشهاد المناضلة اليسارية سعيدة المنبهي في السجن بعد إضراب عن الطعام استمر لأزيد من أربع وثلاثين يوما، لا يزال اسم سعيدة المنبهي واحدا من الأسماء التي ألهمت أجيالا من المناضلات والمناضلين، لا تزال أيقونة لمرحلة كفاح وقف في وجه الشمولية والاستبداد بكافة عناوينه وبجميع تشكلاته وتمظهراته، كانت ولا تزال رمزا للحركة الطلابية المغربية وما قدمته من شهداء في سبيل الدفاع عن حقوق المستضعفين.
ولدت سعيدة المنبهي في حي شعبي من أحياء مدينة مراكش في شهر سبتمبر من سنة 1952، بعد حصولها على الباكالوريا التحقت بشعبة الأدب الإنجليزي بكلية الآداب بالرباط، وناضلت في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (أوطم) و تزامنت هذه الفترة (1972-1973) مع الحظر التعسفي للمنظمة الطلابية من طرف الدولة المغربية.
التحقت بعد ذلك بالمركز التربوي الجهوي و تخرجت أستاذة بالسلك الأول بعد سنتين من التكوين، ودرست اللغة الإنجليزية بإحدى المؤسسات بمدينة الرباط حيث ناضلت في صفوف الإتحاد المغربي للشغل ثم انضمت لمنظمة "إلى الأمام" الثورية .
اختطفت سعيدة المنبهي في 16 يناير 1976 بمعية ثلاث مناضلات أخريات بعدما داهم زوار الليل بيتها كبلوا يديها و وضعوا عصابة على عينيها، وقضت 3 أشهر بالمركز السري درب مولاي الشريف الشهير باحتضان أخطر جرائم التعذيب في عهد الملك المغربي الراحل الحسن الثاني، حيث كانت تتعرض لأبشع أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، ثم نقلت في شهر مارس إلى السجن المدني بالدار البيضاء ، ليحكم عليها بخمس سنوات سجنا سجنا نافذة بتهم عديدة من ضمنها المس بأمن الدولة، بالإضافة لسنتين "لإهانة القضاء" وفرض عليها مع رفيقتيها رفيقتيها فاطمة عكاشة وربيعة لفتوح العزلة بالسجن المدني بالدار البيضاء.
خاضت سعيدة المنبهي بمعية عدد من المعتقلين والمعتقلات مجموعة من الإضرابات عن الطعام توجت بالإضراب اللامحدود عن الطعام وذلك لسن قانون المعتقل السياسي وفك العزلة عن الرفيقات وعن المناضل إبراهيم السرفاتي، وهو الإضراب الذي دام 34 يوما نقلت بعدها إلى المستشفى، ومنع عنها تناول الماء والسكر، لتفارق وبسبب الإهمال الحياة يوم 11 ديسمبر 1977 بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء وهي في سن 25 سنة لتخط بدمائها آخر قصائد الوفاء "سأموت مناضلة".
لم يكن السجن ليحد من عزيمة سعيدة المفعمة بالثورية، قاومت برودة الأرض التي تلتحفها في زنزانتها وعوضته بدفيء ما كانت تكتبه من شعر، كانت تؤمن أن تحرر المرأة لن يتأتى إلا بانخراطها في النضال التحرري العام من طوق الديكتاتورية والاستبداد والاضطهاد. كانت على اتصال بالسجينات في السجن حتى المعتقلات منهم ضمن قضايا الحق العام للتعرف على أوضاع اعتقالهن، اقتربت ممن احترفن الدعارة وأنجزت تحقيقا ودراسة عن الأسباب الحقيقية الاجتماعية والمادية التي دفعتهن لذلك بل وكتبت من أجلهن قصيدة "فتيات اللذة"، واعتبرتهن نساء مضطهدات من محيطهن ومن قبل الرجال المستغلين لأجسادهن من قبل النظام السياسي الذي ألقى بالمجتمع في أحضان البؤس والفقر وبالتالي من الطبيعي أن تكون هناك دعارة، مادامت هناك أزمة على جميع المستويات .
لا زالت كلماتها حاضرة في وجدان كل حر، ولا زالت رسائلها إلى والدتها وأفراد عائلتها تتردد على ألسنة من عرف سعيدة المنبهي عن قرب. كتبت لوالديها من جحيم الاحتجاز "أبواي الأعزاء" في الوقت الذي سأقضيه بعيدة عنكما أرجوكما ألا تتألما من اجلي، إن حياتي كما قلت لكما في رسالتي السابقة تستمر وتستمر، لاشيء يخيفني .. إن شعوري نحوكم يزداد تأججا، إلا أنني لاحظت لدى أمي لحبيبة في الزيارة شيئا من القلق.. أبواي الأعزاء " في الوقت الذي سأقضيه بعيدة عنكما أرجوكما ألا تتألما من اجلي، إن حياتي كما قلت لكما في رسالتي السابقة تستمر وتستمر ، لاشيء يخيفني .. إن شعوري نحوكم يزداد تأججا ، إلا أنني لاحظت لدى أمي لحبيبة في الزيارة شيئا من القلق وأريد من جديد أن أتوجه إليها لكي تعيد ثقتها بي، وبالمستقبل المشرق، أمي يجب أن تثقي أن وجودي في السجن لايعني بالضرورة حرماني من الحياة، إن حياتي لها عدة معان، إن السجن مدرسة وتكملة للتربية، لهذا أريد منك وكما عهدناك دائما أن تكوني شجاعة، قادرة على مواجهة كل متاعب الحياة".
لا يزال الجميع يستحضر أدبها الثوري وكلماته ذات الوقع الذي يؤجج المشاعر:" تذكروني بفرح فأنا وان كان جسدي بين القضبان الموحشة فان روحي العاتية مخترقة لأسوار السجن العالية وبواباته الموصدة وأصفاده وسياط الجلادين الذين أهدوني إلى الموت. أما جراحي فباسمة، محلقة بحرية، بحب متناه، تضحية فريدة، وبذل مستميت" تقول سعيدة التي اغتيل فيها الأمل من أجل إشراقة وطن.
تقول الباحثة هند عروب في قراءة للشعر الثوري للسجينة الراحلة "إن للحب حضور لافت على مدار القصائد والرسائل، فبه قاومت وتماسكت إلى أن رحلت. فحبها لعائلتها فردا فردا، كان متفجرا في الرسائل وتفاصيل أحاديث هذه الرسائل"، ثم تضيف "لا ننكر أن دور العائلة جلي في مد جسور الرسالة، الشيء الوحيد الذي يصبر المعتقلين ويشد أزرهم. كانت سعيدة تتحدث مع أخواتها عن كيفية تربية الأولاد ومعاملتهم، عن ذكرياتها مع إخوتها ووالديها، عن أحوالها داخل السجن، حنينها واشتياقها لتقبيلهم. والجميل في رسائلها أنها هي من كانت تطمئنهم عليها ".
إعداد : عماد استيتو 
---