الخميس، 26 يوليو، 2012

فلننتحر يا رفاق



فلننتحر يا رفاق


أيحق لنا أن نبكي اليوم على أحلامنا التي سرقت ، على زهرة ذبلت سريعا، أنبكي كمن يبكي فراق حبيب ؟ ، نحن اليوم نعيش بدون جزء من ذاكرتنا، قتلوه قتلوه وهو جنين .. يا حبيبتي تآمروا علينا جميعا ونحن بعذارة أوهامنا الجميلة صدقنا أن بين القنافذ أملس، أنحن اليوم أيتام ؟ من دون من يعضد لحمنا الفتي الذي نهشته ذئاب الليل و النهار، نحن ضحايا الاختيار وتلك اللحظة الشبقية العابرة التي حلمنا فيها أننا قادرون على الوقوف في وجه كل العواصف ، نحن ضحايا أنفسنا .. فلننصب لأنفسنا المشانق ولننتحر في الساحات العامة يا رفاق ، كان علينا أن ننجح .. لكننا لم نفعل فلنتحمل مسؤولياتنا إذن، نحن من أخطأنا التقدير، نحن من استسهل طوق النجاة ، نحن طيور حلمت بمغادرة الأقفاص ثم اختارت العودة إليها، لننتحر إذن يا رفاق .. لقد حكمت المحكمة علينا بأن ننتهي إلى زوال، كنا يوما من الأيام جيلا غير مأسوف عليه ، جيلا مغضوبا عليه .. كنا مجانين مخطئين ونبحث عن المتاعب ، ويا ليتنا أفلحنا ؟ كانوا أنذاك ليرفعونا على الأكتاف كأبطال .. فلتخسأ حريتنا وديمقراطيتنا وكرامتنا .. فلتسقط العدالة.. فليسقط المراهقون لأن الشعب لا يريد، الشعب لا يريد شيئا يا معشر الفاشلين ، لنبك لنبك فما عاش في هذا الوطن من خان السلطان في لحظة جنون ووهم انتصار .

كان حلما جميلا سيطر علينا لأشهر ، كان مشروعنا الوحيد ، كان رهاننا الوحيد نحن الفاشلون في نظر الجميع ، بالنسبة إلى المجتمع والوسط وحتى العائلة ، كنا الفارغين الذين لا هم لهم سوى التظاهر نهاية كل أسبوع بحثا عن الشهرة، كنا الشاذين أيضا الذين ينصرفون بعد كل فسحة  أحد إلى الحانات ومن ثمة إلى أسرة الجنس، كنا الفاسدين الذين شاع بيننا الخمر والجنس وأشياء أخرى والعياذ بالله، كان انكسارنا نتيجة طبيعية لبضعة منحطين خارجين عن الملة والوطن، كنا مذنبين نستحق العقاب وتركنا طليقين سنة نصرخ كالكلاب المسعورة  كان أمرا غير مقبول وتساهلا غير مبرر معنا نحن حفنة التائهين الذين لا مشروع لهم ، لا مكان لنا على هذه الأرض السعيدة ، حرام علينا نحن جاحدو النعمة أن نعيش هنا ، هذه الأرض الطاهرة ليست لنا ، لأننا لم نتعلم أن نحلم أحلاما بكف اليد ولأننا ورثنا مرضا اسمه الرفض والتمرد ، لأننا لم نؤمن بإله يجمع الجميع في الأعياد وفي الشهور الحرم ، فلنرحل جميعا إلى الجحيم، إنهم يطبقون القانون فقط .. أو لم نكن نصرخ طلبا لتطبيق القانون ؟ ، الآن نشتكي ونبكي ؟ ، تبا لنا جميعا .

يا رفاق فلننتحر لأن الوطن يكرهنا ، الوطن لا يريد أمثالنا، الوطن يريد عبادا يحمدون الله على نعمة ولي الأمر ، الوطن يريد قانعين وليس طماعين يبحثون عن وجع الرأس ووهم الحرية، الوطن يريد معدمين مؤمنين بالقضاء والقدر، أو ليس الرزق من عند الله ؟، فلماذا نحتج ونصرخ في الساحات؟، كنا نبحث عن المجد الشخصي ، كنا نريد صورا للذكرى فقط ، لم تكن لنا قضايا حقيقية ، كنا عاشقين للكاميرات والأضواء نبتغي الظهور، لم نكن نحب الوطن وإنما كنا نحب أنفسنا ، علينا أن نتوب عن غينا فالوقت أمامنا ضيق جدا ، فصبر الوطن الغفور الرحيم بدأ بالنفاذ، علينا أن نسلم كل شيء ونعود إلى بيت الطاعة فورا ودون تردد، هنا والآن ، ورفاقنا الذين يرفضون علينا أن نتركهم لمصيرهم ، لسجنهم المستحق لأنهم عادوا العباد والبلاد وأولي الأمر، علينا أن لا نلتفت وراءنا ، كنا صغارا مفلسين لا نعرف مصلحتنا ، كنا نجر أنفسنا إلى التهلكة ، لم نكن نقدر حجم زلاتنا.. قضي الأمر، لقد صبروا علينا طويلا حتى نعود إلى رشدنا ، الآن نستحق كل ما سيحدث لنا .

لماذا نخرج بعد اليوم في مظاهرات ، نحن الذين لا نمثل شيئا من هذا الوطن ، بضعة مهرجين فقدوا بوصلة الصواب والطريق السوي يريدون تغيير البلد، أ وليست هذه مهزلة ؟، لا موقع لنا بعد اليوم على هذه الأرض التي يستحق كل شيء فيها الحياة إلا نحن ، من حقهم أن يسألوا عنا ؟ من نحن لنرفع شعارات أكبر منا ؟ من نحن لنقول لا للأسياد؟، من أين لنا بكل تلك الوقاحة لنجاهر بخطايانا ؟ لا لا هذا مستحيل وغير مسموح وعليه أن يتوقف فورا، باسم الرب فلنقلع عن جميع الأشياء التي تشاركناها، ثبت أننا كنا مخطئين، فلنتب فخير الخطائين التوابون ، يا رفاق ليست أمامنا خيارات كثيرة إما الرحيل انتحارا أو أن نبقى أوفياء للوطن ، والوطن يعني الطاعة والولاء وتطهير أنفسنا من تلك الشرور التي حملناها معنا في الساحات.

عفا الله عما سلف، فلننضبط لإرادة الشعب ولنستسلم، في النهاية فإنهم لا يريدون لنا سوى الخير، الشياطين التي تحيط بنا تشوش علينا لحظات الصفاء، علينا أن نلين لأننا لن نغير شيئا دون الإرادة العظمى، الله غاضب منا لأننا عصيناه ولم نسمع كلام خليفته في الأرض، وحينما نجلد ونسحل في المظاهرات أو نقاد إلى المخافر فإنه الله فقط يعاقبنا عقابه الرحيم ، الله يرسل رسائله السماوية عبر رسوله في الأرض لنا لنستقيم ، الله يعلمنا حب الأوطان لأنه من الإيمان ، وحب الوطن لا يستوي إلا بالالتفاف على الرمز.

يوم الأحد كنا نضرب باسم الله وباسم الوطن ، كان الوطن يعلمنا دروسا في حبه ، دماءنا التي تسيل في الشوارع رسم تسجيل فقط في مدرسة الغيرة على البلد، السجن الذي قضاه رفاقنا وسنقضيه غدا وبعده مجرد تهذيب للنفوس حتى تصفو وتمتلئ بالحب والرضا والقناعة بمثالية هذه البلاد السعيدة، يوم الأحد كنا نشتم ونقذف لكي يعم السلام والسكينة هذا البلد، كنا نطارد في الأزقة والدروب بالهراوات باسم حكم الشعب ، يوم الأحد كنا نستحق التأديب لأننا لا نفهم أو لا نريد أن نفهم أن لا أحد يريدنا ، أننا أقلية ، يوم الأحد كنا خارج الوطن ، يوم الأحد كنا نخون العهد، كنا ملاعين يا رفاق .

لا الفقراء يرحبون بنا ، ولا الذين يريدون العيش بكرامة يرتاحون لنا ، فلنبحث عن أقرب بناية شاهقة أو أقرب سكة قطار ولنلق بأنفسنا جماعة، يائسين وبشعين في ذات الآن، سننطرد من رحمة الوطن الذي كفرنا به فلا الجماهير في صفنا ولا نحن أشعلنا ثورة في الجبال، هكذا نحن في عرف الجميع فاشلون نستحق أن ندفن أحياء، الشرطة حبيبتنا كريمة كانت دائما معنا ، لم تبخل علينا يوما ، علينا أن نكون شاكرين ، فإما أن نعود إلى الوطن وإما أن ننتحر ، إما أن نحرر أنفسنا من سجن أوهامنا أو فلنفر إلى جهنم حيث سنلقى حلم العيش الكريم والعدالة .. إنهم يخيروننا بين الانتحار والموت البطيء ، فلننتحر يا رفاق فالانتحار أرحم من الانتظار ونحن مكبلون بالجحود والألم وقسوة الأهل وذوي القربى، الطريق إلى الحياة يمر عبر الانتحار .. انتحارنا هو الصمود في الميدان ، رحيلنا هو وطن نشيده من أوجاعنا وكدمات ودماء سجنائنا ، خيانتنا هو أننا أحببنا هذا الوطن وحلمنا به أفلاطونيا جميلا منتصرا وإنسانيا ، ذنبنا أننا لازلنا نثق في شعب فقد القدرة على الإيمان بنفسه ، فلننتحر يا رفاق وليكن انتحارنا نصرا ، فلنكن عظماء في الأرض وبعدها عظاما منتشية في جوفها ، فلننتحر .

بقلم :عماد استيتو