الاثنين، 14 مارس، 2011

نصر معنوي



نصر معنوي

سوف يكون من الخطأ و الإجحاف لو اعتبرنا خطاب الملك المغربي محمد السادس مساء يوم الأربعاء تاسع مارس حدثا عاديا أو خطابا تقليديا وفي ذات الوقت سيكون أيضا من المبالغة بمكان لو أطنب في وصفه بالتاريخي والشامل والجذري .

لقد تحدث رئيس الدولة المغربية إلى شعبه هذه المرة بوضوح وعبر عن تفهمه ووعيه بالمطالب المشروعة والعادلة التي خرجت بها حركة عشرين فبراير والحركة الديمقراطية المغربية منذ عقود طويلة ، وبغض النظر عن بعض الملاحظات المسجلة فإن الخطاب كان أقرب إلى التصريح السياسي منه إلى خطاب حاكم لشعبه وسيكون من المخالف لمنطق العقل والواقع أن نقحم الرسالة الملكية الأخيرة في خانة ما سبقها من خطابات لعدة اعتبارات موضوعية واختلافات عميقة في المضمون والسياق ، فسقف الاستجابة للمطالب أتى مرتفعا جدا وبلغ حدا لم تكن حتى الحركة الديمقراطية المغربية باختلاف توجهاتها و إيديولوجياتها وهي تقدم عشرات المناضلين على مر العقود الماضية مرورا بسنوات الرصاص الدفينة والآنية تتصور أنها ستبلغه في يوم من الأيام ، لقد أذعن الملك لصوت التغيير وتلقف الرسالة أو على الأقل أظهر نواياه الصادقة للمضي في هذا الطريق بغض النظر إن كان مخيرا أم مجبرا ، تحدث الرجل ليقول أنه فهم رسالة الشباب الذين خصهم بإشارات خاصة في وقت احترف بعض النافذين والساسة اختراع الدسائس و تبرير شكوكهم في الأشكال النضالية التي طالب من خلالها الشباب المغربي بتغيير حقيقي وشامل على جميع الأصعدة وخصوصا على المستوى السياسي الذي يبقى أكبر التحديات ، تعديل دستوري وفصل للسلط وتعزيز اختصاصات الوزير الأول بإخراج منصبه من لازمة انتظار إشارة الملك بحيث يضحي المسؤول الأول والأخير بلغة صريحة عن إدارة شؤون البلاد ودسترة مجلس الحكومة وتحديد اختصاصاته وترسيخ الجهوية كرافد أساسي ينطلق منه هذا الإصلاح المرجو من داخل النظام المشخص في المؤسسة الملكية فضلا عن دسترة الأمازيغية وإقرار توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة .

عناوين باعثة على الارتياح وتقترب جدا من الإجابة الكلية على أقصى مطلب وهو نظام حكم ملكي برلماني يسود فيه محمد السادس دون أن يحكم وهو ما تفصح عنه الخطوط العريضة للتصريح السياسي الاستثنائي للملك ، و سيكون أمرا مجانبا للصواب إذا ما حكمنا على التجربة الوليدة الجديدة بالفشل المسبق أوشككنا في جديتها وصدقية ما قاله الملك ومدى استعداد اللجنة التي يرأسها عبد اللطيف المنوني في اقتراح التعديلات الدستورية الحقيقية والعميقة التي تعرج على كل التفاصيل ولا تهمل أي نقطة حبر من كتاب الدستور مهما بلغت حساسيتها أو درجة قدسيتها وحتى المادة التاسعة عشرة التي تجعل الملك شخصا مقدسا ومحرما وساميا يعود له كل شيء هو ما لا يتماهى مع ما تقتضيه الديمقراطيات الحقيقية ، إنها نقطة ضوء جديدة وسط كل هذا النفق المظلم الذي لا يبدوا أن طريق الخروج منه إلى ضفة أكثر إشعاعا ونورا ستكون سلسة ، إنها فرصتنا الآن نحن المغاربة التي لطالما حلمنا بها ، لقد انتزعناها ولم يمنحها لنا أحد وسيكون من الغباء إن اعتبرنا هذه الاستجابة المفاجئة مندرجة في إطار مشروع انطلق منذ سنوات كما يتوهم البعض ، لم تكن صدقة أو مكرمة ملكية من علينا بها ، نحن نستحق هذا الانتصار الصغير والمعنوي ، على الأقل فلتعتبره كل القوى الديمقراطية كذلك في انتظار أن يحصل التجسيد والتطبيق على أرض الواقع ، فإذا ما أذعنا لصوت المشككين أو العمليين فإنهم محقون تماما في نزوعهم إلى الحذر و التوجس من أي خطاب أو إبداء رغبة مادامت لم تتجاوز بعد رف التسويف والوعود ولهم في تجارب مماثلة عزاء يصدقون به موقفهم المتخوف من أن يكون كل الأمر جعجعة بدون طحين أو درا للرماد في العيون فالملك محمد السادس نفسه كان في السنوات الأولى لحكمه قد وعد بالقطع التام مع العهد البائد ورغبته بإرساء تجربة ديمقراطية نموذجية لكن سرعان ما ذابت هذه الوعود وانصهرت في روتين نظام تقليدي قائم على دولة الشخص الواحد والمؤسسات الصورية التي تستنزف ميزانياتها الملايير دون فائدة ترجى ، تجربة الإنصاف والمصالحة الرائدة هي الأخرى لم تجد تنصيصاتها طريقا للتفعيل إلا بعد زمن غير قصير ،بعد أن استهلكت وتاجرت بها الحوانيت السياسية وأقحمتها الأحزاب الكرطونية في برامجها الانتخابية الرديئة ، لذلك من الطبيعي أن نسجل هذه الهوة واستمرار أزمة الثقة بين الطرفين وهي أزمة نتاج تراكمات عديدة كرسها سلوك اللامبالاة واحتقار المطالب الشعبية الذي وصم النظام المخزني على امتداد العقود الماضية لذلك لا تطلبوا بين عشية وضحاها أن يتصالح الضحية مع الجلاد ويصفح عنه ، لذلك لا ضرر في أن يستمر التظاهر كتعبير ديمقراطي عن التعدد وحرية الرأي وهو ما نص عليها الخطاب الملكي ، لذلك فمن اقتنع قد اقتنع ومن لم يقتنع فسيواصل التظاهر والتعبير عن رأيه المختلف ويمارس حقه في الاختلاف إن كنا حقا نريد أن نرص بناء لا اعوجاج فيه دون نسبية أو خطوط حمراء .

إن الحدث يفرض علينا أن نكون براغماتيين إلى حد كبير و نتجاوز تطرفنا العنيف لقناعاتنا أحيانا ، فلنعرض عن كون اللجنة التي يرأسها المنوني غير منبثقة عن إرادة شعبية ومختارة بطريقة ديمقراطية كما نأمل جميعا أن تكون ، ولنتجاوز وعينا الصريح بكونها تنزيلا عموديا جديدا من الأعلى ولنعطي الفرصة لأنفسنا بالمشاركة في هذا الورش الجديد ، ورشنا الذي انتزعناه بدماء شهدائنا في العقود الماضية وأصوات مناضلينا التي بحت صارخة في وجه هذا الحاجز الصيني الكبيرالذي يفصلنا عن تقرير مصائرنا وتحديد خياراتنا بأنفسنا ، مسؤوليتنا التاريخية الآن أن نسهم في تحديد ما نريد والصيغة التي نريدها للإصلاح حتى لا يكون تعديلا في النصوص وترسيخا للعادات والممارسات ، إصلاحا ينمق الظاهر ويغرق الباطن في تجاوز محدق ، التحدي الآن أن نثبت لكل أولئك الذين استغلوا في السنوات الماضية هذا النقص الديمقراطي الصارخ وعاثوا في الأرض فسادا ونصبوا أنفسهم حماة لهذا الشعب ، مهمتنا الآن أن نقذف بهم إلى الدرك الأخير لمزابل التاريخ ، فلنلفظ جميعا كل الوصوليين والانتهازيين من السياسيين وأشباههم والأحزاب الهزلية التي تجاوزتها الأحداث ، رجال الأعمال الذين نهبونا وكونوا امبراطوريات مالية لا تتصور حتى لو كانوا أصدقاء للملك ، فلنطرد هذه الأوليغارشيا الجديدة التي تربعت على كل شيء ولم تترك رائحة زكية في هذا الوطن ، إنها فرصتنا جميعا أن نشرف بأنفسنا على هذا النفس الجديد ، أن لا نسقط في حسابات ضيقة ومزايدات غير محسوبة نحن في غنى عنها هو الهدف الحقيقي حتى ننتصر لنضالات شرفاء المغرب باختلاف انتماءاتهم العقائدية والفكرية والإديولوجية وحساسياتهم السياسية ونكرس النموذج المغربي الذي نريد وليس النموذج الذي حاولوا عبثا تسويقه في وسائل إعلام حبلت وضجت بالوجوه التي تحاول ركوب الموجة واللحاق بقطار لم تقتني تذكرته يوما ، فلنحتفل بنصرنا المعنوي الصغير ونثري نقاشنا وإلى أن ندرك الهدف فالمسيرة حتما ستظل مستمرة ولا عزاء لمن خان الموعد .


بقلم : عماد استيتو

صحفي وكاتب ومدون / من المغرب

11/3/2011


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق