الاثنين، 14 مارس، 2011

المخزن يرفض الخطاب




المخزن يرفض الخطاب


عبثا حاولت أن أجد تفسيرا لما أقدمت عليه قوات الأمن يوم الأحد الماضي في الدار البيضاء حينما استلت خناجر القمع من غمودها بشكل غريب وغير مفهوم لتفريق مظاهرة سلمية دعا إليها شباب عشرين فبراير والفعاليات الديمقراطية المغربية دون أن أهتدي إلى جواب يشفي غليل الكم الرهيب من التساؤلات المشروعة ؟ مالذي يحدث ؟؟ فيه إيه هو إيه اللي بيحصل ده ؟ كما يقول أبناء المحروسة .

هل هناك جيوب مقاومة ترفض الإصلاح الذي اقترحه الخطاب الملكي الأخير ؟ أتوجد فرق وأحزاب تقود حربها الخاصة من داخل هذه المؤسسات بعيدا عن المصلحة العليا لهذا الوطن العزيز علينا جميعا ، بدا وبوضوح أن مظاهرة الأحد هي الأكثر سلمية على الإطلاق من كل المظاهرات السابقة التي تعاملت معها السلطات بنوع من المرونة النسبية لكنها وفي لحظة من نوبات الصرع المفاجىء انطلقت لتمارس هواية النهش في الأجساد لتفريق المتظاهرين بقوة الحديد والنار في مشهد من مشاهد انفصام الشخصية الأمنية ، أكرمت المصالح الأمنية بتشكيلاتها المختلفة وفادة المواطنين المغاربة الذين لم يكتفوا بالتصفيق يوم الأربعاء واعتبروا العمل الميداني والنضال على الأرض حقا مقدسا مواكبا لسيرورة الطريق الذي سيقطعه جيل الإصلاحات الجديد ، وجبات سلق وسلخ وسب وشتم و تنكيل المتظاهرين شهدت منعطفا خطيرا أصبح معه سلوك السعرة المخزنية الجديدة يتخذ منهج التصعيد العلني الذي لا يخدم بأي شكل من الأشكال ذلك الإكسير النقي الذي انبعث بعد تاسع مارس ويرمي به في محطة التشكيك .

في حقيقة الأمر هناك قراءات مختلفة لما وقع الأحد ، ولو افترضنا حسن النية فسنتجاوز القراءة المتسرعة الأخرى وسنعتبر ما حدث عارضا لكن لا يمكن أبدا المرور من أمامه مرور الكرام ، فعلى ما يبدوا هناك فئة معينة لا تزال ترفض تغيير الحذاء القديم ولا تزال تعتقد أن "الزرواطة" هي قدر هذا الشعب الذي لم يتخلص بعد من بعض "ستوكهولمييه " ، لم يستوعبوا بعد أن زمن"الفتونة " والاستقواء بغطاء لا يحفظ تماما العيوب قد ولى ، يرفضون الاعتراف أن الأنظمة البوليسية على أشكالها تقع ، يحتاجون دروسا إضافية على ما يبدوا في اللياقة والأدب عوض أسلوب التهديد والوعيد والاستعلاء ، إنها إشارات سلبية حتما ستعزز هاته الهوة التي لطالما اشتكينا من اتساعها بين " المخزن" و المواطن العادي فمالذي يمكن أن نفهمه حينما يقول الملك يوم الأربعاء أن المغرب سيشهد مناخا جديدا من الحريات والتعددية وتقدم قوات الأمن بعد ثلاثة أيام فقط على عكس ذلك ؟؟ يصف الملك المطالب الشعبية بالمشروعة فتصفها الأجهزة الأمنية بالغوغائية ؟؟ هل يفهم أحدا شيئا .

لم نسمع ودائرة هذه الدنيا تدور أن أحدا تدخل لضرب أحد لحمايته من آخر وهو العذر الهزلي الذي قدمه والي أمن الدار البيضاء في لحظة هذيان لتبرير التصرف الأرعن الذي لم يسلم من بطشه أحد بل وحتى المارة يأخذون بذنب الجماعة ، لم يكن التفريق وصرف المتظاهرين النية الوحيدة إذ تحولت مختلف الفرق الأمنية لشن مطاردات هوليودية انتهت بتطويق مقر الحزب الاشتراكي الموحد وتحقير رموزه ومناضليه الذين خرجوا للحوار ، ورمز كبير بقيمة بنسعيد أيت إيدر قدم لهذا الوطن مقاوما ومناضلا التضحيات الجليلة لم تشفع الذاكرة القصيرة للمسؤولين الأمنيين في الاستماع لصوته الحصيف وتمادت في الوفاء للوازمها ورواسب تجد صعوبة في الفكاك منها ، لم يخرج أحد يوم الأحد للتخريب أو التكسير أو الإخلال بالنظام العام والشعارات المرفوعة لم تتجاوز حتى تلك الخطوط الحمراء التي صنعوها لنا بعناية لذلك فالرسالة المراد إيصالها من طرف المصالح لم تكن مشفرة " نحن من نضع قواعد اللعب ووعليكم الالتزام بها أو سنضعكم خارج اللعبة بالقوة " .

على جميع القوى الحية لهذا الوطن أن تغلب مصلحة البلد فوق اعتباراتها الضيقة وهو أمر قلناه وسنكرره لكن أن نطلب من الجميع أن يحجم عن التظاهر ونخيره بين العصا الغليظة أو المبايعة فهو الحمق بعينه ، ثم ماالذي يعنيه ضرب وصفع الصحفيين والصحفيات ومنعهم من أداء مهمتهم التي لا ينحازون فيها سوى لصوت الحدث وصورة الوقائع وتعنيفهم بتلك الطريقة المشينة التي تجعل الأمر وكأنه مدبر وصادقا أتمنى أن يكون ذلك خاطئا ، لا يتعلق الأمر بلعبة شد حبل أو صراع مراهقين وعلى المصالح الأمنية باختلاف تشكيلاتها وتشعب فرقها ورجالها أن يسائلوا المرحلة السابقة و يتقبلوا واقع أنهم في خدمة الشعب وليس الشعب من سيركع تحت رحمة عصاهم الغليظة التي يحركونها متى ضاقت به السبل .

إن خيطا رفيعا يفصل بين حفظ الأمن والضرب كما يفصل بين التظاهر السلمي والتخريب ولهذا فإن القوانين والأعراف واضحة للعيان لذلك لا داعي للعب سلاح التخويف لأنه سلاح متآكل من زمن بائد يرفض متبنوه الاعتراف أن الملعب واللاعبين أيضا تغيروا ويقاومون متقنعين بفزاعات الحكامة الأمنية وحفظ الأمن العام ، الآن وقد حدث ما حدث فإن اللحظة المفصلية التي يعيشها مغربنا الآن تفرض من الكل أن يحتكم لصوت الرجحان ويذعن للعقل ولا نسقط في فخ يراد بنا أن ننساق إليه في أن نصبح أمام معركة حقيقية بين فئتين فئة " المحافظين " وفئة " طلبة التغيير " وهو شيء خطير يجب أن نلتفت إليه جميعا قبل فوات الأوان وأعرف أننا أذكى من أن ننجر إلى مزايدات سخيفة على بعضنا ونمنح هاته الفلول الأخيرة للعهد الزائل فرصة للالتفاف على عدالة قضايانا ، إنه الآن اختبار حقيقي فإما أن ينسجموا مع الرغبة التي أظهرها من يملك السلطة الأعلى في البلد أو ينسحبوا غير مأسوف عليهم ماداموا عاجزين على التأفلم مع الوضع .

بقلم : عماد استيتو

كاتب وصحفي ومدون مغربي

15 – 3 - 2011


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق