الثلاثاء، 7 فبراير، 2012

قصة قصيرة : نور الغرفة


نور الغرفة


النور مضاء في غرفتها في المنزل المجاور لحينا ، لا شك أنها هناك الآن تدرس بكد كعادتها بينما أمضي أنا لأقضي وقتي الفاشل في شارع تذكر ملامحها ، أتذكر وجهها وملابسها ، العيون والكلمات ، النور مضاء في تلك الغرفة ، حتما هي هناك ، كان سعيد يحدث نفسه وعيناه لا تفارقان النافذة ،كان شبه أكيد من أن طيفها إن لم يكن جسدها كان حاضرا هناك ، أو على الأقل هكذا أحب أن يتوهم وهما جميلا ، إنها هناك بين أوراقها وأرقامها ومعادلاتها تحضر لامتحانها كما حضرت لتحطيم فؤاده ذات يوم ، كان سعيد يعيش على أمل أن تطل من النافذة ، ربما تأخد استراحة صغيرة تستجمع معها شتات الأفكار ، ربما يقتحمها الفضول لتتجسس على المارة في الشارع ، أو في أغبى وأفدح حالات تفاؤله يظنها أحست بالساعات الطويلة التي قضاها ينظر إلى نافذتها المواربة ، لم تكن النافذة مغلقة تماما وهو ما زرع في نفسه أملا ساذجا وانتظارا غير ناضج ، يمشي يمنة ويسرة ويحرص على أن يثير منظره الريبة في الحي ، بقي على هذه الحال ما ينيف عن الساعتين ، المسكين كان ينتظر الإشارة " بغيت غير نشوفها من بعيد " كانت تتحدث دواخله ليصمت صوت عقله ، ... أطفأت الأنوار ، انتهت سهرتها على ما يبدوا ، سعيد يغادر وهو يجر أذيال خيبة أخرى تستقر في دولاب هزائمه المتعاقبة .

هل نامت ؟ صحيح هي تنام مبكرا ؟ حتى أنها لا تدخل الأنترنيت ... يائسا كان سعيد يسأل أسئلة يعلم يقينا أن الجواب عنها لن يفيده في شيء ، لا يزال الوقت مبكرا على النوم إنها العاشرة مساء فقط وخلوده للنوم باكرا لن يفعل به سوى تعميق الأرق ، طيلة الطريق إلى تلك الحانة ترك ذكرياته تندلق ، منذ أول نظرة حتى آخر كلمة جمعت بينهما ، " تاوالله تا راني هبيل ما عندي عقل مالي على حالي كنتعلق فين نتفلق .." يستفيق وعيه في لحظات ، منذ أشهر وهو يقضي وقته بين اقتفاء سرابها والمقاهي الداعرة والحانات وأرصفة الشوارع ، كان يحدث أن يشرب كثيرا حتى يثمل ليشرع في مسلسل هذيان لا يتوقف عن الحب والسياسة ، لا يتذكر شيئا في الصباح الموالي حينما ينهض متثاقلا ، " .. راك كنتي تاترون البارح ا صاحبي نسا عليك الدرية " يعاتبه صديقه المهدي  الذي قضى الليلة الماضية في منزله .

يسأل مستفسرا عما قاله بعد أن امتص كل شراب البار ، " .. لم تقل شيئا سوى أنك كنت تقول كلاما غير مفهوم .. شيء ما مفاده أنها ربما ستندم على أنها لم تعرك اهتماما شي حاجة بحال هادشي " ، ثم يسترسل رفيقه " .. شحال من مرة كلتليك أ " كماراد " متورطناش فاش تسكر " ، كان يشير رفيقه نجيب إلى غنائه في حضرة الثمالة تلك الأغاني الثورية الغاضبة التي غفل عنها منذ فترة ، حدث أن خفت إشعاعه النضالي في الجامعة منذ أن تعلق بها ، ركن إلى اليأس العاطفي وتقلصت أحلامه وهجر معارك الرفاق ، كانت تلك السنة الطلابية الأخيرة  حافلة بالمعارك التي لم يشارك فيها ، كان رفاقه يفتقدونه وهو الذي بات الآن منهزما في كل الأشياء ، انهزم حتى في درب عاهدوا أنفسهم على أن يقتفوه إلى الحشرجة الأخيرة ، أين هي صرخاته الغاضبة ؟ أين هو من كل هذا ؟ لم تعد له قضية ، في النهاية خسر القضية والمرأة أيضا وخسر نفسه أيضا .

ليس في حاجة إلى أن يطرح على نفسه تلك الأسئلة التقليدية ، هل هو من النوع الذي تغيره امرأة ؟لكنها ليست أي امرأة ، إنها "قدس " وليست أية شابة ، فقط اسمها وحده كاف ليوقع أيا كان في حبها ، كان يردد سعيد دائما في لحظات يسرح فيها حالما ، حتى بعد أن تجاهلته ( هذا مع التخفيف .. الأصح أنها احتقرته ) ظل يعيش على هذا الجرح ، كيف يقع بروليتاري قذر مثله في غرام برجوازية متعفنة ؟ ( كان سؤالا من صديقه المهدي) ، " هل خنت القضية يا رفيق لهم حبهم ولنا حبنا يا رفيق ..." ما انفك المهدي يحاول دفعه عن جنونه .

أهمل سعيد بحث تخرجه ولم يعد منتظم الحضور للمحاضرات ، في غيابه حدث أن اعتقل الرفاق بعد تفجير معركة نضالية لتمكين الطلاب من المنحة الدراسية التي تأخرت ، كان من بين المعتقلين صديق عمره المهدي ، نزل الخبر صاعقا على سعيد ، كان المهدي صديقه المقرب حامل همومه ورفيق درب الدراسة الجامعية والنضال الطلابي ، حمل حقيبته وكوفيته التي بحث عنها طويلا (مر أمد منذ أن اصطحبها آخر نزلة نضالية ) متجها إلى ساحة كليته يبحث عن الرفاق والرفيقات ، استجمع قواه وخطب في الجمع بصوت متحمس  " سنصعد سنعتصم حتى إطلاق سراح رفاقنا " ،  تحركت الحناجر بشعارات " لن نخاف لن نخاف لن نهاب القمع البوليسي " " المعتقل ارتاح ارتاح سنواصل الكفاح .." وغيرها من الشعارات التي احتلت بهو إدارة الكلية ، تعاهدوا على الاعتصام هناك حتى يغادر رفاقهم الزنازين " ولو حملونا إلى نعوشنا سنبقى هنا حتى يعودوا إلينا " .

رضخ موظفوا الكلية الإداريون وغادروا مقرات عملهم بعد أن احتلت الإدارة وأصبحت مزارا يتضامن فيه الطلاب مع المعتصمين ، كان لافتا أن " الخوانجية " ( كانا فصيلين (العدل والاحسان والعدالة والتنمية ))تضامنوا أيضا مع المعتصمين ، لم يصدق سعيد عينيه ، هي هنا مع الإخوان المتضامنين ، دقق النظر جيدا وسرقته اللحظة .. على مضض رد التحية على ملقيها .. كان مشغولا ب "قدس " ، هاته المرة نظرت إليه نظرة أكثر حماسا وقبل أن يقترب منها لأداء ما يقتضيه واجب المجاملة نظرت إليه هاته المرة نظرات مختلفة ، نظرة أكثر تحمسا ، كانت تبدوا أكثر إشعاعا مبتسمة " .. الله معاكوم الأخ سعيد " قالت مادة يدها له للسلام وفي لمح البصر وبينما كان يلملم شتات صدمة المفاجأة كانت قد غادرت لتتركه لاستفساراته ، انتبهت رفيقته في الاعتصام سلمى إلى شروده " .. آه ا "كماراد " إذن هي من أبعدتك عنا كل هاته المدة إنها قدس طالبة مجدة ولامعة وفاعلة في شبيبة العدالة والتنمية .. أنا أعرفها هي شخص ودود " ، استسلم قليلا في نوبة فقدان للزمن ثم استدرك سلمى ( كانت سلمى تكتم حبها له ) " .. آه هي إخوانية " قالها بنبرة تشير إلى أن شيئا ما كان يشغل تفكيره وهو يرد على سلمى ، كانت سلمى أصغر منه بسنة ، ترافقه دائما ، كانا لصيقين ببعضهما لدرجة أن المقربين منهما فقط كانوا يعرفون أن علاقتهما لا تتعدى الصداقة ، سلمى فائقة الجمال ، قوامها ساحر ، عيناها تنم عن حنان يفيض به قلبها ، صوتها مرهف يخترق المسامع ليتسرب بلطف إلى الجوارح ، لكن قلب سعيد لم يكن لها ، كانت تعرف أنها تخسر سعيد مرتين ، الأولى لأن في حياته قضية وهو ما كانت تستطيع أن تتحمله ما داما شريكين فيه ، والثانية أن في قلبه امرأة وهو أعمق مما يمكن أن يهزم ، حب امرأة في قلب رجلها أقسى على المرأة من ديكتاتور مستبد ، لم يكن لسلمى من سلطان على قلبه ، على الأقل اليوم تعرف إجابة السؤال المؤرق عن هوية تلك التي استبعدته من رفقتها ومن حلم الرفاق ، ساد شيء من الصمت في المعتصم كان الوقت بعد الزوال ، استغرق سعيد في التفكير ، قدره ربما أن يخالف قلبه اختياراته ويختار له بالذات تلك من توجه يخالفه أشد الاختلاف " .. يساري يقع في حب إسلامية " همس على خفوت ، وما إن بدأ يستجمع أفكاره محاولا توقع القادم ( ابتسامتها كانت توحي بأما ) وهو يغفو غمضة قصيرة حتى أفاق على صوت صراخ سلمى " ... لا متضربش ... حيوان  ..." ، قوات الأمن اقتحمت الحرم الجامعي وشرعت في فض المعتصم ، ارتمى سعيد في وجه الهراوات وقدم جسده ليحمي سلمى " .. سعيد عنداك ظهرك سعيد عنداك ... " ، تستمر سلمى في الصراخ قلقة على سعيد وهو يتلقى الضربة تلو الأخرى على رأسه وعلى أعضائه التناسلية من رجال السيمي  ، " .. هاك لموك أولد القحبة أنت وديك القحبة اللي معاك تعلمو تهضرو على سيادكوم " وسط بكاء سلمى قال الشرطي وهو يستعمل كل ثقافته الغاضبة في بدن سعيد الذي خارت قواه من فرط تهشيم عظامه ، شدة الضرب لم تنل من براءة ابتسامة سعيد " ... مشيتي غالط مشيتي غالط مبقا يخلعونا زراوط " ، يستفز صموده الشرطي لينطلق في حملة ضرب جديدة لا تزيد سعيد سوى اصرارا " ..... اسمع صوت الشعب "   .

" سعيد لا تذهب يا رفيق أنا متيمة بحبك ... سعيد كنبغيك " وسلمى تذرف الدموع .. ، دماء سعيد نزفت بغزارة ، دماءه تغطي قميص رفيقته الأبيض ، " .. سعيد عافاك " ، بينما كان سعيد يغالب كلماته كان رفاقه يقفزون وراء الأسوار ويركضون إلى الأحياء المجاورة خوفا من الاعتقال ، " ... سامحيني يا رفيقة سامحيني يا سلمى ..على الأقل الآن سأتوقف عن توريطك في حبي " ، سلمى تبكي لأنها بدأت تدرك أن سعيد سيرحل ، ظلا لوحدهما في بهو الكلية بينما بقية الرفاق يسارعون نبضات قلبهم بحثا عن ملجأ لهاته الليلة للاحتماء من بطش القمع ، " .. يا سلمى لن نموت ولكننا سنقتلع القمع من أرضنا .. لا تصدقي أننا سنموت يا رفيقة .. سنبقى معا حتى نقتلع الموت .. سأكون معكم يا سلمي .. أخبري المهدي أنني لم أبع القضية .. إنها وصيتي .. " ، احتضنته سلمى تقبله بعنف يائس " .... سعيد لقد كنت أحلم أن نحقق أحلامنا الثورية معا .. لم أكن سأطلب منك الذهاب إلى موسكو إلى الساحة الحمراء .. كنا سنحيا هنا  فقط ونهزم موتهم المكتوب لكن ... ؟" ، وقد فرغت الساحة بعد أن نفذت القوات العمومية جرائمها كانا يتحدثان الحديث الأخير ...

- " .. شرف لي أن تكوني آخر من يحملني يا رفيقة .. لم أكن أستحقك على كل حال .. لا تستحقين أن تتعلقي بقضية خاسرة " .
- " كاماراد .. لا تقل هذا ، سننتصر سنشيد قلاع الحرية كما تقول القصيدة .. سننتصر معا ... لا أعرف كيف أستمر من دونك " سلمى تتعلق بآخر حروف سعيد .

- " ... طبعا سننتصر يا رفيقة ... لو كنت تحبينني فعلا عليك أن تتمسكي بنضالنا .. اعتبريه قصة حب جمعت بيننا .. أنا أمنحك حق هذا الاعتراف ، كان بيننا حب نضالي يا رفيقة .. تمسكي به .. تمسكي به يا سلمى   ...... آه  أخبري "قدس " أن تترك نور غرفتها مضاء فأنا قادم هاته الليلة .... ".

ثم رحل سعيد .


بقلم : عماد استيتو – كاتب وصحفي مغربي -

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق