السبت، 14 أبريل، 2012

المهدي المنجرة .. لا كرامة لنبي في وطنه


بروفايل :المهدي المنجرة .. لا كرامة لنبي في وطنه





غالبا ما يرحل الرائعون في صمت، يتحينون فرصة غفواتنا وسهونا ليحملوا حقائب السفر الأخير هم الذين كانوا في سفر دائم، كانوا بيننا دون أن نعيرهم ذلك الاهتمام الذي يستحقون ولا نكتشف سوى متأخرين أنهم كانوا يحاولون جاهدين أن يمنحوا أبناء الوطن سببا للبقاء، أملا للحلم وتفاؤلا بالمستقبل، في غفلة منا لم نتذكر أن المغرب أنجب رجلا يحق لنا أن نفخر به، لم نتذكر اسمه إلا يوم المرض، اختفى اسم المهدي المنجرة من مجلدات المغرب،عفوا فهذه ليست اليابان، لم يعد يعرفه أحد، نكرة في زمن يجود بأشباه المشاهير، فجأة حملنا محارمنا الورقية وجهزنا كلمات بالية للرثاء وحضرنا أنفسنا لنعي عابر، كان وحده ذلك الخبر الذي احتل زاوية في هامش جريدة مغربية عن نقل الرجل إلى مصحة خاصة، من ذكرنا بكم قسوتنا على أبنائنا وكم نحن جاحدون أحيانا مع الأوفياء منهم.

نال المهدي المنجرة في اليابان من حظوة وشهرة لم ينلهما في هذا البلد، اسم عالم المستقبليات المغربي أصبح نارا على علم ،جاب كل الأصقاع حتى أصبحت محاضراته وكتبه مرجعا للأكاديميين والباحثين، بينما يمنعونه هنا أو يسخرون منه وكأن عالم المستقبليات عراف مع خالص الاحترام للعرافين، لأن كلامه لم يكن يعجب ولأن الصراحة قاسية على قلوب من ألفوا النفاق.
في مارس من سنة 1933 رأى المهدي المنجرة النور لعائلة ميسورة الحال بالرباط، ولد مشاغبا وتعرض للاعتقال منذ سنوات شبابه الأولى بسبب مناهضته للحماية الفرنسية  وطرد من ثانوية "ليوطي" بالدار البيضاء وقبلها ثانوية "ديكارت" بالرباط قبل أن ينتقل للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن اقتنع والده أن الحل الوحيد هو أن يغادر المهدي أرض الوطن، نجح في الحصول على الإجازة في البيولوجيا في جامعة "كورنيل بنيويورك" لكنه سرعان ما غير بوصلة اهتماماته من البيولوجيا ليتحول لدراسة العلوم السياسية والعلاقات الدولية، لينال شهادة الدكتوراه من جامعة لندن للاقتصاد بأطروحته عن الجامعة العربية.

بعد أن تخرج من لندن كانت العودة حالمة إلى أرض الوطن حيث اشتغل أستاذا للعلاقات الدولية في كلية الحقوق بأكدال بالرباط، كأول مغربي ينال هذا الشرف سنة 1958،وبعد سنة واحدة فقط التحق بمنصب مدير عام للإذاعة والتلفزيون لكن وكأن القدر لا يرضى له بالكراسي الوتيرة فقد غادر منصبه بعد أن فعلت تدخلات رضا كديرة ما فعلت لإسقاط حكومة عبد الله إبراهيم التي كانت تحظى بشعبية كبيرة، لم يتقبل المهدي المنجرة الطريقة التي أعفيت بها الحكومة التي كان يراها أملا لبداية البناء ليقدم استقالته ويحزم حقائبه إلى أمريكا مجددا، قضى بعدها المنجرة حياته طائرا متنقلا بين مهمة وأخرى حيث شغل مهمة نائب المدير العام لليونسكو وعاد بعدها للاشتغال في السلك الدبلوماسي كمستشار لأول بعثة دبلوماسية مغربية لدى الأمم المتحدة، حاول يائسا أن يقدم استشارات ونصائح للحكومات المغربية المتعاقبة في ميادين التخطيط والتعليم لكن لا حياة لمن تنادي.
هاجر قسرا بعد أن منعت محاضراته دون إبداء الأسباب، فلم يكن الرجل ذلك المعارض السياسي للنظام أو المفكر الذي لا يؤمن بشرعية السلطة القائمة، كان فقط يقول الحقيقة ويؤمن بالحرية وحق عيش المحرومين بكرامة، كان فقط عالما يتحدث بالأرقام، كان حاملا لسلاح مرعب فرض مواجهته بالمنع، كان الرجل عنيدا ومتمسكا بأفكاره ومن الصعب ثنيه عنها.
 أشرف غاندي المغربي على عدة أبحاث من ضمنها إشرافه بطوكيو سنة 1998 على فريق بحث عالمي يضم 15 عالما، حول التعددية الثقافية وآثارها المستقبلية على الهجرة، كما خبر كواليس المنظمات الدولية العالمية المختلفة وصرخ من داخلها منددا بكثير من مواقفها المتحيزة ليقرر الانسحاب منها لأن مشروعه العلمي والفكري كان أكبر من أن يدفن في مؤسسات تحكمها الحسابات وتنحاز للدول الكبرى على حساب المقهورين، لم يكن ممكنا للمنجرة أن يستمر بالتواجد داخل منظمات زكت الفكر الواحد رافضة الاختلاف ولم تعترف للشعوب بحقها جميعا في التنمية.
كان المهدي المنجرة أول من انتبه للمسألة الحقوقية في المغرب، راسل الملك الراحل الحسن الثاني مقدما فكرة إنشاء منظمة تعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان، تجاهل الملك طلبه في البداية قبل أن يقتنع بمبررات المنجرة، قال الحسن الثاني في ذلك الزمن لوزرائه " إن المهدي أيقظ ضميري"، فكان ميلاد المنظمة المغربية لحقوق الإنسان كأول هيأة حقوقية بالمغرب.

اليوم يرقد المهدي في منزله وحيدا يقاوم أرذل العمر، لا يسأل عنه أحد في هرم المسؤولية في هذا البلد بينما قدرت دول كاليابان والصين قيمته الفكرية والثقافية بترجمة مؤلفاته واعتمادها كمراجع، من ينسى كتابه الشهير " الحرب الحضارية الأولى " الذي تنبأ فيه بنشوب الصراع بين الشمال والجنوب الذي ابتدأت أولى ملامحه خلال حرب الخليج الأولى .

كان من أوائل المفكرين في العالم ممن تحدثوا عن الاستثمار في العنصر البشري فبفضله استطاعت دول كاليابان والصين أن تتطور، رسائل لم يفهمها المسؤولون الحكوميون الذين استمروا في منعه ومصادرة أفكاره، " الذي يؤلمني ويحز في قلبي منذ 10 سنوات شيء واحد، وهو أنني لا أعرف سبب منعي ولا من يقف وراءه. أنا لست رجل أعمال ولا رجل حزب أو سياسة بالمعنى الضيق للكلمة، لذا أقبل الأمور كما هي وكما تأتي. في كل مرة أُمنع فيها أقبل القرار و أرفض إحداث ضجة " قال عن منعه قبل ثلاث سنوات.

مخطىء من يفصل فكر وكتابات المهدي المنجرة عن ما يشهده العالم العربي من حراك، وهو القائل "التغيير آت أحب من أحب وكره من كره. السؤال الوحيد الذي يجب أن نفكر فيه هو ثمن هذا التغيير، فكل تأخير سيدفع عنه الثمن "، كان المهدي المنجرة يتوقع أن يحدث ما يحدث حاليا من تطورات في عدد من البلدان العربية، كان الرجل يملك مشروعا مستقبليا ونظرة مستنيرة، كان هذا الوطن أحق بها فهو في النهاية كان يكتب عن لحظة وفترة لا يعتقد أنه سيعيشها  وبالتالي فلا مصلحة ذاتية له فيها كما كان يردد دائما.

في كتابه الشهير " الإهانة في عهد الميغا إيمبريالية " الصادر سنة 2004 توقع بشكل واضح حدوث انتفاضات جديدة في الوطن العربي والإسلامي، صرح بعدها بسنتين " عندما أتكلم عن الانتفاضة فلا أقصد الدماء في الشوارع ولكن حدوث عطب في أنظمة الحكم، وردود فعل قوية من طرف الذين يعيشون حالات لا تطاق ولهذا لست متشائما على المستقبل القريب " ، كان يقول عن المغرب وربما لا يزال " كل إصلاح حقيقي يأتي من معالجة عين المشاكل وليس مظاهرها فقط، هذا الفرق بين الإصلاح والترقيع. الغاية هي استرجاع جزء من حرية التصرف في أنفسنا بالنسبة للحكم المحلي والخارجي كبداية احترام حقيقي لحقوق الإنسان والتحرر الثقافي والسياسي من هيمنة الاستعمار الجديد وعولمته. وهذه الأهداف لا يمكن الوصول إليها إلا بعد التغلب على عقدة النقص والسلبيات في تركيبنا العقلاني "، كلام لربما كان مزعجا لكن هذا هو المهدي المنجرة  إما أن تقبله كما هو بصراحته الصادمة وكلماته اللاذعة أو لا تفعل، حتى الآن اختار البعض أن لا يأخذ شيئا من حكمة الرجل لكن إلى متى ؟.
كان يؤلم الرجل أن يسير الوطن إلى المجهول دون رؤية مستقبلية لدى الحكومات التي تعاقبت على تدبير شؤون المغرب حينما نطق جملته الشهيرة القاسية ربما بعض الشيء "أتحدى أي شخص يعطيني رؤية شاملة حول مستقبل المغرب، للأسف الكل مشغول بالآنية وما يسمى بالانتقال، وأنا أتساءل الانتقال إلى أين ؟ " ، لكن في آخر كلامه قبل ثلاث سنوات يحتفظ بشيء من التفاؤل في الجيل الحالي فهو وحده القادر على تحريك الراكد " الأجيال الصاعدة ستهتدي إلى الطريق وستجد الحل هذا هو مصدر تفاؤلي، إنه نابع من بداية وعي المغاربة "، يقول المهدي الذي عاش كناسك زاهد في المناصب يتركها كلما شعر أنها لا تتناسب وقناعاته.

ربما لم نكن لنكتب ما تقدم من سطور عن حياة الرجل لولا ذاك الخبر، ربما هو قدرنا أن يجافي سياسيونا رموزهم، أو نتماهى غير آبهين مع مدرسة علمتنا النسيان وعقدة الغريب، ربما هي سليقتنا أن ننتظر دائما رحيلهم إلى الأبد لنكتب شهادات حسن سيرة وأخلاق، الخشية كبيرة أن يتكرر الأمر نفسه مرة أخرى، فعلى الأقل سيكون من إنقاذ ماء الوجه أن يلتفت مسؤولونا لإرث رجل لا يطلب جزاء ولا شكورا، أم أن لا كرامة لنبي في وطنه.؟

عماد استيتو
نشر في العدد 154 من مجلة مغرب اليوم من 13 إلى 19 أبريل 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق